فهرس الكتاب
وفي هذا الميدان يمكن أن نذكر أيضًا تلك الخدمات الجليلة، التي قدمها أطباء أندلسيون لصلاح الدين وجيشه وشعب الشام، الذي وقف كتلة واحدة شامخة ضد الصليبيين. فمنذ النصف الأول من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، بدأ الأطباء الأندلسيون المشاهير يتوافدون إلى دمشق بعد أن سمعوا بمحاولات الصليبيين احتلالها، وكأنهم كانوا يشعرون أن من واجبهم وهم من بلاد اعتاد أهلها محاربة الصليبيين باستمرار، المساعدة في الدفاع عن دمشق وغيرها من بلاد الشام. من هؤلاء الأطباء أبو الحكم تاج الحكماء عبد الله بن المظفر الباهلي المولود بمدينة المرية في جنوب الأندلس أو بمدينة مرسية في شرق الأندلس سنة 486هـ/1076م وقد درس الطب بالأندلس وبمصر، حتى اشتهر به كطبيب معروف. وفي بداية أمره توجه إلى بغداد، وفيها شغل طبيب البيمارستان، الذي كانت تحمل عقاقيره وأدواته في المعسكر السلطاني على أربعين جملًا" [29] "، ولما سمع بتهديد الصليبيين لدمشق غادر بغداد، وأقام بدمشق، يداوي الناس بدكان عند باب جيرون بالقرب من المسجد الأموي الكبير حتى وفاته في سنة 549هـ/1155م" [30] "وكذلك فعل ابنه أبو المجد محمد بن عبد الله الباهلي الملقب بافضل الدولة، وتفوق على والده، فصار في علوم الطب من أحذق أطباء زمانه، الأمر الذي جعل نور الدين زنكي يعتمده كمسؤول أول عن إدارة البيمارستان، الذي أنشأه في دمشق خلال السنوات الأولى من النصف الثاني للقرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي. وقد أدى خلال حياته، التي انتهت في الربع الثالث من القرن السادس الهجري أو قبل ذلك بسنوات قليلة، خدمات رائعة في ميدان الطب، فقد كان عمله اليومي مقسمًا إلى ثلاث فترات، خصص الأولى لزيارة مرضى البيمارستان سابق الذكر، وخصص الثانية لزيارة مرضى القلعة من الحكام وأتباعهم، وخصص الثالثة للتدريس في إيوان البيمارستان النوري" [31] ".