فهرس الكتاب
ولعلّنا نستطيع القول إنّه لم يصلنا كتاب مخصص للبحث البلاغي على كثرة ما أشارت إليه كتب الطبقات والتراجم من مؤلفات قد نفهم من عناوينها أن لها علاقة بهذا العلم.
لذا يمكننا بدل الجري وراء أول من ألّف في البيان أو في المعاني أو في البديع أن نبحث عن العوامل التي يجوز أنّها ساعدت على تبلور التفكير البلاغي. (4)
يُعدّ الشعر (5) من أبرز خصائص اللغة فهو"علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه (6) ، ونكاد لا نشك في أن العرب الأوائل كانوا مُدْركين، ولو عن طريق الانطباع والفطرة، لجُملة من خصائصه، يدلّ على ذلك المكانة المرموقة (7) التي حظي بها الشّاعر في المجتمع."
وتواصل الاهتمام بالشعر حتى العصور المتأخرة، واستغلته العلوم الناشئة فقام اللغويون والنحويون بتقييد ما سمعوا منه في نطاق ما يُسمى بحركة الجمع (8) . وليس من المستبعد أن يكون الطابع اللغوي الذي أصبح سمة من سمات النقد العربي قد أتاه من هذه المرحلة. (9)
العامل الثاني هو القرآن، الذي اتّخذ من شكله اللغوي حجة لنبوة الرسول، فكانت معجزته من خصائص اللغة، وغدا القرآن القطب الذي تدور حوله مختلف المجهودات الفكرية والعقائدية للمسلمين، لكن أهم جانب فيه ساعد على ظهور التفكير البلاغي هو الجانب المتصل بقضية إعجازه (10) ، وليس من المبالغة أن نقول إن هذه الدراسة أثمرت نظرية مهمة هي نظرية النظم. (11)
وما اضطر إليه المعتزلة (12) من تأويل لكثير من آيات القرآن فحملوا هذه النصوص على المجاز، لم يقوموا باختراعه، فقد وجد هذا المصطلح منذ المحاولات الأولى التي تعود إلى فترة ما يُسمى التفسير بالمأثور، مع أن القضية لم تطرح كمبحث لغوي، كما أنها لم تكتسب الأبعاد العقائدية التي ستلتصق بها فيما بعد.