فهرس الكتاب

الصفحة 14245 من 23694

والمعروف عنه أنه كان يرفض أن يقبل من أحد أجرًا أو مكافأة، لأنه كان ميسور الحالَ، إذ كان له مورد ورثه عن أبيه في طبرستان يكفيه ويغنيه وثوابًا هكذا عكف على التأليف والتصنيف، لأنّ له في ذلك أجرًا وثوبًا في نشر علم ينتفع به الناس، بعد أن اكتملت لديه الأصول الجوهرية في ثقافته الدينية ومعرفته الموسوعية، بالإضافة إلى ثقافته التاريخية.

محنة الطّبريّ

في حياة الإمام الطبري محنتان: المحنة الكبرى، وهي محنة مجلس الجمعة، وذلك حين تألّب عليه أعداؤه من بعض المحدثين والحاقدين الذين أثاروا عليه العامة وجماعة من الحنابلة الحاقدين عليه، لأنه كان يرفض الاعتماد على الإمام أحمد بن حنبل فيما يورده في بعض رواياته، لأنه في نظره محدّث، وليس بصاحب مذهب متميزّ بين المذاهب الإسلامية .

ذكر أبو بكر الخطيب أنه تُوفي"يوم السبت لأربع بقين من شوّال سنة عشر وثلاثمائة، ودفن يوم قد الأحد بالغداة في داره برحبة يعقوب، ولم يغبرَّ شيبه" (4) .

والغريب العجيب حقًا، كما أورد يا قوت خبره في معجمه المعروف نقلًا عن غير الخطيب أنه"دفن ليلًا خوفًا من العامّة لأنه كأن يتهم بالتشيّع". واستطرد ياقوت قائلًا نقلًا عن الخطيب:"ولم يُؤذّن به أحد، فاجتمع على جنازته من لا يُحصى عددهم إلاّ اللّه، وصلّي على قبره عدة شهور ليلًا ونهارًا، ورثاه خلق عظيم من أهل الدين والأدب" (5)

من هؤلاء أبو سعيد بن الأعرابي، فقد أورد من رثائه قوله (6) :

حَدَثٌ مُفْظَعٌ وخَطْبٌ جليلُ

قّام ناعي العلوم أجمعَ لمّا ... قام ناعي محمد بن جريرِ

ففي نعي ابن جرير الطبري نعي العلوم كلها جمعاء . ومن الذين رثوه أيضًا صديقه ابن دريد، فقد تمثّل فيه علَمَ الدين المرفوع بقوله (7) : ... بل أتلفتْ عَلَمًا للدين منصوبا

إنّ المنْيةَ لم تُتْلفْ به رجلًا

كان الزمانُ به تصفو مشاربهُ ... والآن اصبح بالتكدّير مقطوبا

كلاًّ وأياّمُه الغرُّ التي جُعِلتْ ... للعلمِ نورًا وللتقوى محاريبا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت