فهرس الكتاب
هذا هوا الإمام الطبري علم الدين المنصوب، وهذه هي أيامه الغرُّ التي طواها الموت، فهي للعلم نور وهي محاريب التقوى والإيمان. ... كم قائل فيه بزُورٍ جَمِّ
يبدو أن الحاقدين عليه كانوا من جماعة من المحدّثين الذين لم يستطيعوا مناظرته، وإنما كان يردُّ عليهم وينبّههم إلى ما هو غير صحيح، بالإضافة إلى خصومه من الحنابلة الذين لم يكونوا يستطيعون الوقوف أمامه في محجّة المناظرة الجدلية والمناقشة العلنية.
لقد أفلح هؤلاء جميعًا في الإساءة إليه يوم وفاته، فمنعوا أفواج الناس وجموعهم من تشييعه ودفنه في وضح النهار، وهكذا آثر جماعته ومريدوه دفنه في منزله خوفًا عليه من أعدائه فينبشون قبره، وهو ميت بعد محنته الكبرى، وهو حيّ.
وصف ابن كثير محنة الطبريّ وما حل به في ساعاته الأخيرة مشيرًا إلى أعدائه من عوّام الحنابلة، ومن عوامّ الجهلة الذين رموه بالإلحاد بقوله (9) :
"ودُفِن في داره، لأن بعض عوامّ الحنابلة، ورعاعهم، منعوا من دفنه نهارًا، ونسبوه إلى الرفض، ومن الجهلة من رماه بالإلحاد... بل كان أحد أئمة الإسلام علمًا وعملًا بكتاب اللّه وسنّة رسوله".
وكان على رأس هؤلاء الحاقدين عليه الفقيه الظاهريّ أبو بكر محمد بن داود، فقد"كان يتكلّم فيه، ويرميه بالعظائم" (10) .
كانت هذه المحنة الكبرى، محنة الطبريّ المظلوم نصرًا لسلطان العلم والفكر وعرسًا أغرَّ لحرية العقيدة والرأي، وتنديدًا بالتعصب المذهبّي الأعمى، ولاسيما على هذه الصفوة من آل البيت، ذلك لأنه انتصر لهم، وآزرهم ووقف في صفهم مدافعًا عنهم، فلقي محنته الأولى التي سوف نعرضها في القسم الثاني من هذا البحث.