ومَن المسموح له بإقرار تأويل ونبذ آخر؟ والجميع على اختلاف مذاهبهم يقرون بضرورة التأويل، بل إن ابن رشد (520-595هـ) ذهب إلى أن المسلمين أجمعوا"على أنه ليس يجب أن تحمل الفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل"ويذكر ابن رشد أن السبب في ورود الشرع فيه الظاهر والباطن هو اختلاف نظر الناس وتباين قرائحهم في التصديق"والسبب في ورود الظواهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينهما"أما الاختلاف في التأويل فهو أمر لابد منه، بل إنه نتيجة منطقية لاختلاف نظر الناس وتباين قرائحهم لذلك ذهب الغزالي (450-505هـ) وأبو المعالي إمام الحرمين (419-478هـ) وغيرهما من أئمة النظر إلى أنه لا يُقطع بكفر مَنْ خرق الإجماع في التأويل (8) ، وبناء على ما تقدم يمكننا أن ننظر إلى بعض مظاهر التأويل عند الصوفية متأملين محللين محاولين الكشف عن مصادر هذا التأويل وأسبابه، ولكن لابد من التنبيه أولًا على أن كبار الصوفية كالغزالي وابن عربي (560-638هـ) والنابلسي (1050-1143هـ) .. كانوا ينصون صراحة على أن تأويلهم للنص القرآني لا يلغي معناه الظاهري المعتمد على فهم اللغة وتراكيبها، فهم بذلك يختلفون عمّن اتخذ التأويل أساسًا للفهم والعمل من أصحاب المذاهب الأخرى.. لذلك صرح ابن عربي في غير ما موضع بأن هذا من باب الإشارة لا من باب التفسير (9) .. فمن جملة ما اتسع الصوفية في تأويله نص آية النور ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة، زيتونةٍ لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولولم تمسسه نار، نور على نور، يهدي الله لنوره مَن يشاء، وضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم) (10) .