فهرس الكتاب
وقد لحظ أحد علماء العربية هذه الظاهرة، بقوله:"كانت العرب في جاهليتها على إرثٍ من إرْث آبائهم في لغاتهم وآدابهم ... فلما جاء اللَّه - جل ثناؤه - بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات وأُبْطِلتْ أمورٌ، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخرى بزياداتِ زيدت، وشرائع شُرعت، وشرائط شُرطت" [8] ..
ومجيء الإسلام لم يكن حدثًا محصوراُ في نقل ألفاظ اللغة من مواضع إلى أخرى، بل عَمِل على بروز كثير من العلوم، مابين عقلية ودينية [9] . و هذا أمر يصدقه الواقع، لأن"أهم المبادئ المؤثرة في الحضارة المبادئ الدينية" [10] .
ومن العلوم التي دارت في فلك العلوم النقلية ( الدينية ) ، والتي تتقدم النظر في القرآن والسّنة علم النحو، وسبب ذلك أن استنباط الأحكام الشرعية متوقف عليه ،والاجتهاد يعود إليه . وقد أدرك الفقهاء أهمية النحو واللغة، فجعلوهما شرطًا يجب توافره في الفقيه، ذكر ابن حزم في كتابه الإحكام ..:"أنه لابدّ للفقيه أن يكون نحويًا لغويًّا وإلا فهو ناقص، ولا يحلّ له أن يفتي لجهله بمعاني الأسماء وبعده عن فهم الأخبار" [11] .
عمل علماء العربية بدافع ديني - كما بيّنا- إلىجانب دوافع أخرى على وضع قوانين وقواعد للعربية تصون الألسِنَة وتحافظ على ملكة اللسان التي أخذ يعتريها الزيغ والزيف . فضلًا عن أهميتها في معرفة أحكام كتاب اللَّه . وكان ميدان عملهم ومادتهم كلام العرب الفصيح . وقد صوّر ابن خلدون عمل علماء العربية، بقوله:"...وخشي أهل العلوم منهم أن تَفْسُدَ تلك الملكة رأسًا، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن والحديث على المفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطّردة ،شبه الكُليّاتِ والقواعد، يقيسون عليها سائر أنواع الكلام، ويلحقون الأشباه بالنظائر . [12] "