فهرس الكتاب
بدأت طلائع النحو العربي بدءًا وظيفيًا [13] يتعرف به العربي أحكامه عن طريق نظم الكلام وضبطه ضبطًا صحيحًا، من دون أن يقدم نظرية بمصطلحات . يشهد لذلك مارواه ياقوت عن عاصم، قال:"جاء أبوالأسود الدؤلي إلى زياد ابن أبيه .. وقال: إني أرى العرب قد خالطت الأعاجم وفَسَدَتْ ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم" [14] .
ثم أخذ النحو يتطور، ليصبح علمًا له أصوله وأحكامه . ومعلوم أن لكل علم مصطلحات هي بمثابة أوعية له . فمن أين استمد العربي وهو ابن الصحراء هذه المصطلحات ؟؟
لم يكن الموقف سهلًا أمام علماء العربية ،إذ قنوات الترجمة عن الأمم الأخرى لم تشقّ بعد، بالإضافة إلى ان العلوم الأخرى لم تُرْسَ قواعدها ،حتى يستعار منها، وتنقل مصطلحاتها إلى النحو . ولكن الأمر يُحلّ بالعودة إلى موجودات البيئة العربية ومسمياتها، ففيها المدد وعليها المعتمد . وهذا الإجراء تقتضيه حياة العربي . فقد عرف عن العربي الاستعانة بمظاهر الطبيعة، يستمد منها مسميات لأمور معنوية تعترضه . من أدلة ذلك ما كان يفعله عند تسمية مايُولد له . قال الثعالبي:"..وكان بعضهم إذا وُلد لأحدهم ولدٌ سمّاهُ بمايراه ويسمعه مما يتفاءل به . فإن رأى حجرًا تأوّل فيه الشدّة والصلابة والصبر والبقاء، وإن رأى كلبًا تأوّل فيه الحراسة والأُلفَة وبُعْدَ الصوت، وإن رأى نِمْرًا تأوّل فيه المَنْعَة والتِيهَ والشكاسة، وإن رأى ذِئبًا تأوّل فيه المهابة والقُدرَة والحشْمَة ..." [15] .