فهرس الكتاب
ولكن مع ذلك فإن اكتشاف بعض جوانب الاعجاز أمر ممكن بحسب تخصص أهل العلم كل في مجاله وقد رأى"الرافعي"أن البحث في حقيقة الاعجاز ينبغي ألاّ يحصر في وجه بعينه ، أو يرد إلى ناحية خاصة مثلما فعل بعض من سبقه ، كأن يحصره"النَّظَّام"في الصِّرفَة أو"الرُمّاني"في الفصاحة أو"عبد القاهر الجرجاني"في النّظم . بل يجب النّظر إلى الاعجاز من جوانب كثيرة كالجانب العلمي والاخباري والجانب الأدبي واللغوي والجانب النفسي ، والجانب البلاغي .
ومن خلال هذه الجوانب جميعًا يتوصل"الرافعي"إلى أن دليل سبيل الاعجاز هو ذلك التحدي الصارخ الوارد في القرآن واختلاف آياته ، وعدم المعارضة له ، كما سنرى .
فالرافعي يقرر أنن التحدي الذي تكرر في مواضيع متفرقة من القرآن الكريم في أن يأتوا بمثله أصدق دليل على إعجازه وأنّ سكوت العرب عن هذا التحدي على الرغم من حميتهم وأنفتهم وكبريائهم أقوى شاهد على إقرارهم بالعجز، ومن المعلوم أن اللّه تحدى العرب أولا بالقرآن كله في قوله عز وجل"فليأتوا بحديث مثله"2، فلما ظهر عجزهم عنه تحداهم بعشر سور في قوله:"قل فأتوا بعشر سور مثله"3 ثم لما ظهر عجزهم عنها أيضًا تحداهم بسورة واحدة في قوله"قل فأتوا بسورة مثله"4 فلما ظهر عجزهم عنها أيضًا لزمتهم الحجة لزومًا واضحًا ، وانقطعوا انقطاعًا واضحًا.
ويفسر"الرافعي"هذا التدرج في أمر التحدي بأنه سلوك منطقي وسبيل من سبل الإقناع العقلي حتى تكون الحجة أقهر والبرهان أظهر5
بعد ذلك نرى أنّ"الرافعي"ينتقل إلى الحديث عن أسلوب القرآن الذي هو مادة الإعجاز في كلام العرب كله ، وإلى نظمه الذي لا يرقى إليه عقل بشري ، وينتهي إلى القول إن سر الاعجاز هو في النظم ، وقد حدّد جهات هذا النّظم في الحروف والكلمات والجمل.