فهرس الكتاب

الصفحة 14392 من 23694

فبالنسبة للحروف وأصواتها: يرى"الرافعي"بأن إعجازها يكمن في روح الانسجام المتولد من ترتيب أصواتها ومخارجها حسب طبيعة مقام الكلام على اعتبار أن"مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي ، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب في توزيع الصوت"6

وهذا مالا يتوافر في غير أحرف القرآن وأصواته ، لضعف النفس البشرية ونقصها ، فربط الألفاظ والأصوات بالعواطف أمر لا نكاد نجد له أثرًا بهذا الوضوح عند القدماء ممن تعرضوا لإعجاز القرآن قبله . صحيح أن"ابن سنان الخفاجي"أرجع الاعجاز إلى الفصاحة7، وهو بعض ما ذهب إليه"الرافعي"حين تحدّث عن الحروف وعن بيان الاعجاز من خلالها ، ولكن"ابن سنان"كان يتعامل مع اللغة باعتبارها أصواتًا معبرة عن النفس"كأن ألفاظه عواطف تتغنى"8 ولا ينبغي أن نفهم من هذا أن"الرافعي"قد أهمل الناحية المعنوية إذ أننا نجده في موضع آخر يقول:"الأصل في نظم القرآن أن تُعتبر الحروف بأصواتها وحركاتها ومواقعها من الدلالة المعنوية"9وفي هذا يلتقي مع"عبد القاهر الجرجاني"حين تساءل عن أسرار الاعجاز بقوله:"أفترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤك بالاعجاز روعة وتحضرك عند تصورها هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقًا باللفظ من حيث هو صوت مسموع ، وحروف تتوالى في النّطق أم ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب"10

من هذا نستنتج أن"الرافعي"لم يهمل جانب المعنى وهو الأمر الذي يركز عليه"عبد القاهر الجرجاني"وإن كان هذا الأخير - كما يفهم من النّص - لا يعطي أهمية كبرى للناحية الصوتية بخلاف"الرافعي"الذي رأى الاعجاز قائمًا في الجانبين معًا وعلى مستوى واحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت