وفي هذا العصر نفسه نلفي لغويًا آخر هو حمزة بن حسن الأصفهاني (ت360هـ) لا يكتفي بأن يقرّ الضرورة فحسب، بل هو يعدها وسيلة من وسائل نماء اللغة وغناها، وعلى الرغم من أنه يرى أن الضرورة سببها ما في الشعر من مضايق يرى أن الشعراء يبتكرون بسبب من هذه المضايق صيغا ومفردات تدخل متن اللغة وتزيد في غناها. ويذهب الأصفهاني في سبيل توكيد ذلك إلى القول بأن علماء الآزادمرية إذ"ألْفوا لغات جميع الأمم... لا يتولد فيها الزيادات والنماء على مرور الزمان... وجدوا اللغة العربية على الضد من سائر لغات الأمم، لما يتولد فيها مرة بعد أخرى وأن المولد لها قرائح الشعراء الذين هم أمراء الكلام، بالضرورات التي تمر بهم في المضايق التي يدفعون إليها عند حصر المعاني الكثيرة في بيوت ضيقة المساحة، والإقواء [اي الإحراج] الذي يلحقهم عند إقامة الثواني التي لا محيد لهم عن تنسيق الحروف المتشابهة في أواخرها، فلا بد من أن يدفعهم استيفاء حقوق الصنعة إلى عرض اللغة بفنون الحيلة، فمرة يعسفونها بإزالة أمثلة الأسماء والأفعال عما جاءت عليه في الجبلة -لما يُدخلون من الحذف والزيادة فيها- ومرة بتوليد الألفاظ على حسب ما تسمو إليه هممهم عند قرض الأشعار" [32]
ثم يورد الأصفهاني بعدئذ عددًا من الألفاظ التي ولَّدها الشعراء القدامى ولم يكن لها في اللغة وجود، فيقول:"أمّا ما خرج إلى الوجود بالتوليد فكثير... يدل عليه قليل ما نحكي منه. فمن ذلك قول النابغة:"
إلا الأواريّ لأيا ما أبيّنها
فزعم الرواة والعلماء بالشعر أنه أول من سمّى الأرض مظلومة؛ وهي التي حفر فيها ولم تكن قبل ذلك محفورة" [33] ... أريد الخير، أيهما يليني"
ومن ذلك أيضًا ألفاظ"الشكم"و"الشكد"و"الشكب"التي صارت لغات في"الشكر"بعد أن استعمل طرفة الأولى والثانية في قصيدتين له: قافية الأولى"ميم"وقافية الثانية"دال"واستعمل مزرد الثالثة. [34]