وعلى الرغم من أن ابن رشيق رأى كما مرّ معنا سابقًا"أنه لا خير في الضرورة"فإنه يقع فيما يشبه الاستدراك على نفسه حين يختتم حديثه عن"الرخص في الشعر"بعرض"أشياء من القرآن وقعت فيه بلاغة وإحكاما لاتصرفا وضرورة" [35]
والذي نريده ههنا أنه قال عقب هذا القول رأسا:"فإذا وقع مثلها [يعني الأشياء] في الشعر، لم ينسب إلى قائله عجز ولا تقصير، كما يظن من لا علم له ، ولا تفتيش عنده؛ من ذلك أن يذكر شيئين، ثم يخبر عن أحدهما دون صاحبه اتساعًا، كما قال عز وجل: (وإذا رأوا تجارة أو لهوًا انفضوا إليها) *"
أو يجعل الفعل لأحدهما ويشرك الآخر معه، أو يذكر شيئًا ، فيقرن به ما يقاربه ويناسبه ، ولم يذكره، كقوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) (**) وقد ذكر الإنسان قبل هذه الآية دون الجان وذكر الجان بعدها. وقال المثقب العبدي:
فما أدري إذا يممت أرضًا
أَأَلخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني
فقال:"أيهما"قبل أن يذكر الشيء؛ لأن كلامه يقتضي ذلك... ومن ذلك إضمار ما لم يذكر جلّ اسمُه: (حتى توارت بالحجاب) (***) ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
يعني الشمس... وقال حاتم:
أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى
يعني النفس. وحدف"لا"من الكلام وأنت تريدها كقوله تعالى: (كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم) () ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
(أي: ألا تحبط) وزيادة"لا"في الكلام كقوله سبحانه: (وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون) (*) فزاد"لا"؛ (لأنهم لا يؤمنون) ... وقال جل اسمه: (وما منعك ألا تسجد) (**) أي: ما منعك أن تسجد... وقال أبو النجم العجلي:
فما ألوم البيض ألا تسخرا
يريد:"أن تسخرا..."36