ليس على ابن رشيق حرج في أن يؤدي القياس به وبغيره أيضًا إلى اعتبار مثل هذه الأشياء التي جرت العادة أن تحمل على الضرورة في الشعر، مظهرًا من مظاهر البلاغة والفصاحة فإن مجرد ورود مثلها في القرآن -وهو الذروة في البلاغة والفصاحة والمثال الذي يحتذى -كاف في تسويغها بل عدّها من مظاهر القوة الشعرية أيضًا.
ثم نلتقي بعد نحو قرنين من عصر ابن رشيق بابن عصفور (ت669هـ) ؛ فنراه يفتتح كتابه"ضرائر الشعر"بالقول:"إن الشعر لما كان موزونًا... أجازت العرب فيه مالا يجوز في الكلام؛ اضطروا إلى ذلك أم لم يضطروا إليه ، لأنه موضع ألفت فيه الضرائر"37
وبحسبنا من هذا القول التفاتته إلى أنّ ما لا يجوز في الكلام قد يأتي في الشعر دونما اضطرار إليه؛ لأن هذا الذي لا يجوز في الكلام هو مما يقوم عليه الشعر حتى لكأن وروده في الشعر صار أمرًا مألوفًا. ولعل هذا هو مؤدّى قوله: إن الشعر"موضع ألفت فيه الضرائر".
ونلتقي في هذا العصر بنحوي آخر وهو ابن مالك (ت672هـ) فنراه قد ضيّق من مفهوم الضرورة، إذ هي عنده"ماليس للشاعر عنه مندوحة"38 فأما ما لا يؤدي الوزن والقافية إليه فليس هو من الضرورة في شيء. وعلى ذلك فإن دخول"أل"على الفعل في قول الشاعر:
يقول الخنى وأبغض العجم ناطقًا
وفي قول الآخر: ... له الخل أهلًا أن يعد خليلا
وليس اليَرى للخلّ مثل الذي يرى
هو دخول اختياري39 وفي هذا يقول ابن مالك:"وعندي أن مثل هذا غير مخصوص بالضرورة لإمكان أن يقول الشاعر: صوت الحمار يجدع، وما مَن يرى للخل، وإذا لم يفعلوا ذلك مع الاستطاعة ففي ذلك إشعار بالاختيار وعدم الاضطرار"40 ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل