فهرس الكتاب

الصفحة 14412 من 23694

ويبدو أنّ ما أدّى بابن مالك إلى أن يضيِّق من مجال الضرورة هو منهجه في الاعتداد باللهجات المختلفة والقراءات القرآنية والحديث النبوي؛ فإذا ورد من هذه شيء مما يقول النحاة عن نظيره إنه من الضرورة لا يعده هو كذلك، بل يعيد كل ظاهرة إلى أصلها، وقد نص على أنه لهجة قبيلة معينة، وضرورة عند غيرهم.41 وعلى ذلك فإن ابن مالك لا يسدّ باب الضرورة وإنما يضيقه.

بيد أن رأي ابن مالك لم يسلم من النقد الشديد من بعض المتأخرين كأبي حيان (ت745هـ) .والشاطبي ( ت790 هـ) . وقد نقل السيوطي عن أبي حيان قوله في ابن مالك إنه"لم يفهم معنى قول النحويين في ضرورة الشعر، فقال في غير موضع: ليس هذا البيت بضرورة، لأن قائله متمكن من أن يقول كذا... الضرورة إنما هي دليل قصور من الشاعر، ولكنه القصور القابل لإمكانية التصحيح."

ويشير الشاطبي في معرض رده إلى أمر مهم جدًا، وهو"أنه قد يكون للمعنى عبارتان أو أكثر، واحدة يلزم فيها الضرورة إلا أنها مطابقة لمقتضى الحال، ولا شك أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة؛ لأن اعتناءهم بالمعاني أشدّ من اعتنائهم بالألفاظ"42 فههنا مهمة إشارة إلى أن الضرورة قد جاءت اختيارا وأن من ورائها غاية معنوية.

ونقف أخيرًا على كلام لبهاء الدين السبكيّ (ت763هـ) يتضح فيه جليًا أن ما قد يعدُّ ضعيفًا وغير فصيح في الكلام النثريّ قد يعد في الشعر على خلاف ذلك قويًا وفصيحًا. وقد عرض السبكي لهذا الرأي في سياق حديثه عن عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة في مثل"ضرب غلامه زيدا". ويقول:"وقد اختلف في جواز ذلك، فالجمهور على منعه، وجوزه أبو الحسن والطُّوال وابن جني وابن مالك مستدلين بقوله:"

جزى ربه عني عدي بن حاتم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت