فهرس الكتاب

الصفحة 14493 من 23694

يرى ابن عربي كما هو واضح، إن إرادة الله اقتضت خلق العالم على صورة يرى فيها عينه، ليس لأنه بحاجة إلى العالم، فهو غني عنه، بل لأن أسماءه تفتقر إلى الوجود، إذ لاوجود لها إلا به، ولا معنى لها إلا فيه، فليس الوجود إلا مظهرًا، وتجليات لتلك الأسماء، وليس الكون إلا الأسماء التي أطلقها الله على نفسه، فمشيئته من حيث أسماؤه لا من حيث ذاته اقتضت خلق العالم، والغاية من هذا الخلق هي أن يرى اللهُ نفسه في مرآة العالم، أو يرى عينَه التي ليست سوى ذاته المتصفة بالأسماء، فكشف عن ذاته المطلقة ليس في إطلاقها وتجردها من النسب والإضافات، بل في تعيينها بصور الوجود، غير المتناهية، وقد أودع الله منذ الأزل في كل موجود خلقه، استعدادًا لقبول الفيض الوجودي، ولولا هذا الاستعداد لما وجد الموجود، فكل موجود يقبل روحًا إلهيًا، وروح الله سارية في الموجودات جميعها، وهذه الموجودات ليست سوى صور اتصفت بصفة الوجود بفضل سريان تلك الروح الإلهية فيها، كما يؤكد ابن عربي ويقول: [ لولا سريان الحق في الموجودات بالصورة ماكان للعالم وجود، كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية ماظهر حكم في الموجودات العينية، ومن هذه الحقيقة كان العالم مفتقرًا إلى الحق في وجوده (5) ] إن الخلق (العالم) يفتقر إلى الحق، لأن الخلق ليس إلا الصورة والمظهر الخارجي للحق، فبالحق وجوده الدائم، ولولا سريان الحق في الموجودات لما كان لها وجود، وليس للعالم وجود إلا بالإضافة إلى الحق، كما أن الحق يفتقر إلى الخلق ليس من حيث ذاته الإلهية المجردة عن كل وصف وعن كل نسبة، بل من حيث إنه أحب أن يَظْهر ويُعرف ويرى عظمته وكمالاته، ويرى أسماءه وصفاته، كما يقول الحديث القدسي الذي يستشهد به ابن عربي مرارًا: [ كنت كنزًا مخفيًا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق فبه عرفوني] الحق يفتقر إلى الخلق لا من حيث الذات، بل من حيث الأسماء والصفات، لأن الحق له من الأسماء والصفات مالا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت