فهرس الكتاب
أما الفيلسوف المتوحد- النابت الذي أصبح عند ( ابن باجه) متيقنًا من استحالة قيام المدينة الفاضلة في المجتمع الإنساني، فإنه يُلزم نفسه بضربٍ من الأخلاق الموقتة- إن جاز التعبير- تسمح له بالانتقال من حياة العزلة والانفراد والتوحد داخل المدينة الإنسانية إلى ضرب من الحياة الروحية التي يفترض المتوحد- النابت أنه سيدركها عندما يحقق الاتصال بينه وبين العقل الفعال. هذا الاتصال الذي لم يحدثنا عنه ( ابن باجه) إلا بصورة تكاد تكون رمزية. إذ لم يوضح الطريقة التي يتم بها هذا الاتصال، ولم يُفض بالحديث عن الوقت الذي قد تصبح فيه هذه التجربة ممكنة، ولم يحدد ما إذا كانت هذه التجربة ستحقق للفيلسوف أثناء حياته داخل المدينة غير الفاضلة أم أنها لاتتحقق لا باعتبارها ذروة للحياة الإنسانية وكتتويج لها عند موت الفيلسوف. فكل هذه الأسئلة لم يجب عنها (ابن باجه) ، أو أننا لانعثر على إجابات لها فيما تبقى لنا من نصه ( تدبير المتوحد) . صحيح أن ( ابن باجه) يصف المتوحدين والنوابت بأنهم"السعداء" (14) في المدينة الإنسانية غير الفاضلة ولكنه لايحدد لنا لماذا كانوا سعداء. أهم سعداء لأنهم يحبون حياة مطابقة للعقل والفضيلة داخل مدينة لاتقيم وزنًا في حياتها للعقل والفضيلة، أم هم سعداء لأنهم يسيرون على الطريق المفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق السعادة عندما يتحقق للفيلسوف المتوحد الاتصال بينه وبين العقل الفعال كخاتمة لحياته الأرضية في المجتع الإنساني الذي يحيا حياته فيه بصورة مناقضة لمتطلبات العقل والمعقولية؟ كل هذه الأسئلة وغيرها لانعثر على إجابات لها عند (ابن باجه) ، مما يرجح لدينا أن يكون التوحد في المدينة غير الفاضلة أخلاقًا موقتة يصطنعها النابت تمهيدًا لحدوث لحظة الاتصال بين روح الفيلسوف المتوحد - النابت وبين العقل الفعّال.