فهرس الكتاب

الصفحة 14579 من 23694

وإذا كان أرسطو قد سبق الفلاسفة العرب إلى الغرب في قسم من منطقه فقط ، المقولات والعبارة ، فإنّهم سبقوه إليه فيما تبقّى من كتبه المنطقيّة التي لم تصل الغرب إلاّ في القرن الثاني عشر ، وأيضًا في الكتب الطبيعيّة والميتافيزيقيّة والمدنيّة التي لم تصله إلاّ في نهاية القرن الثالث عشر وعن طريق العرب . وهكذا كانت فلسفة ابن سينا أول مذهب متكامل يصل إلى الغرب ويُنْعِشُ الفكرَ فيه . وكان تأثيرهُ في المفكرين إبّان القرون الوسطى، خاصة ألبرتو الكبير وتوما الإكويني ، كبيرًا للغاية ، لا سيّما أنّ الترجمة اللاتينيّة لمؤلفاته إضافة إلى بعض كتب أرسطو المترجمة من العربية إلى اللاتينية مباشرة ، قد أدخلت فلسفة أرسطو إلى الأرض اللاتينيّة .

وابن سينا الفيلسوف عالمُ أيضًا في الرياضيّات والجيولوجيا والنبات والحيوان وعلم النفس والموسيقى . ولِعلمِهِ أثرُهُ وَصَداهُ في تاريخ العلم العربي بعامة والغربي بخاصة . وقد قدّر روجي باكون والبرتو الكبير موقف ابن سينا حق قدره من تلك القضية الخاطئة التي شاعت في التاريخ القديم والمتوسط لدى بعض الكيميائيّين الذين كانوا يزعمون أنّ في الإمكان تحويل المعادن الخَسيْسَة إلى معادن نفيسة . وقد أنكرَ ابن سينا هذا إنكارًا تامًا ، واستطاع أن يُصحِّح مسارَ البحثِ الكيميائي وأن يُمهِّدَ لعلم الكيمياء الحديث . وقال ابنُ سينا أيضًا ، مع بعض المفكرين السابقين ، بكرويّة الأرض ، فمهّد لأمثال كوبرنيك ( المتوفّى عام 1543) وجالايلي (المتوفّى عام 1642) وحاول في الجيولوجيا أن يوضّح كيفيّة تكوين الصخور والجبال ، وساعد على وضع نظرية البراكين التي عُرفت في القرن السابع عشر . ولم يَفُت فيلسوف اللغة العربيّة أن يستعينَ في بحوثه العلميّة بالملاحظة والتجربة ، ويمكن أن يُعَدَّ بهذا من بُناة المنهج التجريبي، وربما كان هذا من عوامل القُرْبَى بينه وبين روجي باكون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت