فهرس الكتاب
وأثر ابن سينا ، الذي كتب بالعربيّة كل كتبه إلاّ كتابًا واحدًا كتبه بالفارسيّة هو"دانش نعمة"أي Livre de science ، أو كتاب العلم ، لم يقف عند هاتين اللغتين ، بل جاوزها إلى لغات شرقية أخرى ، كالكرديّة والتركيّة ولاسيّما العبريّة والسريانيّة ، وإلى لغات غربيّة كاللاتينيّة ، وكان له فيها أنصار وأتباع . وهنا سنبيّن أثر ابن سينا ، من خلال نظريتي المعرفة والوجود ، في الفلسفة اللاتينيّة في القرون الوسطى .
ونظرية المعرفة هي أولُ نظرية أثّرت في الفكر الغربي . فدومينيك غنديسالينوس ( المتوفى 1115) ، كتب بحثًا في النفس انطلق فيه من ابن سينا للوصول إلى القديس أوغسطينوس . وقد ورد في هذا البحث البراهين السينويّة على وجود النفس وعلى خلودها ، كما يَشهَدُ على ذلك برهان ابن سينا"الرجل الطائر"الذي لا يُبْصرُ أجزاءه ولا تتلامسُ أعضاؤه ، فإنّه قد يَغْفَلُ عن كلّ شيء إلاّ عن ثبوت وجوده ونفسه . وقد حظي هذا البرهان بتقدير فائق لدى رهبنة الفرنسيسكان . كما أنّه يَبْعَثُ على التفكير في الكوجيتو الديكارتي Cogito Ergo Sum . وقد ذهبَ بعضُ الباحثين إلى أنّه ليسَ ببعيد أن يكون ديكارت ، أبو الفلسفة الحديثة ، قد وقف على هذا البرهان في قراءاته اللاتينيّة .
وإذا كان غنديسالينوس ، في دراسته طبيعة النفس وعقولها المختلفة ، قد حافظ على التصنيف السينوي ، بما فيه العقل الفعّال ، فإنّه خالَفَهُ في أن يكونَ العقلُ الفعّال هو الذي يُنيرُ النفس ، بل حصر ذلك ، كما فعلَ أوغسطينوس ، بالخالق .
ومهما يكن من أمر فإنّ أيّ كتابٍ استمدهُ الغربُ من ابن سينا يَشْهَدُ أنَّ فيلسوفَنا قد أكملَ أرسطو، حول النفس والعالم والله، بأن أدخل في تركيبته الفكريّة مفاهيمَ أفلاطونيّة تناسبُ العقائدَ الدينيّة أكثر من النظريّات الأرسطية . وبتأثير من ابن سينا استعملَ اللاتين الفلسفة قاعدةً لتركيبةٍ فكريّة أرسطيّة - أفلاطونيّةٍ - صوفيّةٍ .