فهرس الكتاب
ومنذ القرن السادس عشر، لم تعد الرشديّة تمثّل مذهبًا فحسب ، بل أصبحت تمثّل الثقة الممنوحة للشرح الكبير الذي كان ابن رشد أول من ابتكره لتأويل أرسطو . وفي هذا القرن بالذات ، حدث تحوّل عظيم لصالح ابن رشد، إذ أصبح لقبُ رشدي يُطلقُ على أكثر الناس تمسّكًا بالدين ، وأصبحت الكنيسة الكاثوليكيّة تريد صراحة وبقوة دراسة أرسطو وتعترف أنّ ابن رشد شارحه الأعظم ، وأصبح الرشدي هو من انكبّ على دراسة الشرح الكبير ، أي أنّ الكلمة أصبحت مرادفة لكلمة فلسفة عمومًا ، وكأنّ الرشديّة والفلسفة أصبحتا شيئًا واحدًا .
أمّا آخر ممثلي الرشديّة ، فكان سيزار كريمونيني Cesar Cremonini الذي اعتمد كثيرًا على ابن رشد في كتاباته ودروسه ، وبوفاة كريمونيني عام 1631 انتهت سلطة الفلسفة الرشديّة .
كم كانت طويلة رحلة الرشديّة التي بدأت بوفاة صاحبها في 1198 وانتهت بوفاة آخر أنصارها في الثلث الأول من القرن السابع عشر. لقد مُجّدَ ابن رشد كثيرًا بعد وفاته ، ولكنّه هُوجم كثيرًا أيضًا وبعنف ، بل وكُفّر رسميًا في حياته ، وبعد مماته: كُفِّرَ في حياته من جانب علماء المسلمين ، وكُفّرَ بعد مماته من جانب الكنيسة ورجالها ، وكأنّه كان عليه ، بصفته حامل لواء العقلانيّة ، أن يتحمّل وحده كل الهجوم الذي يُثيره دائمًا الاتّجاه الديني ، في أيّ عصر يضع العقيدة الدينيّة في المرتبة الأولى ، ويجعل دور العقل في خدمة هذه العقيدة .