فهرس الكتاب
والمعروف أن زوجها قد هجرها وظاهر عليها، والمظاهرة هي أنه قال لها: أنت علي كظهر أمي"وكان ذلك في الجاهلية تحريمًا مؤبدًا ، وهو أول ظِهارٍ في الإسلام. كما وردت الإشارة إلى المظاهرة وإبطالها أيضًا في سورة الأحزاب. والملاحظ أن هذه السورة تضمنت عناصر الجدلية بين الجاهلية والإٍسلام، وقصة المجادلة خولة، وهي تمثل الصراع بين أعراف الجاهلية في المظاهرة، وإبطالَها في شريعة الإسلام."
والملاحظ أيضًا أن هذه السورة تضمنت عناصر الجدل والجدال والجدلية، بين الماضي والحاضر، والحق والباطل، والخير والشر، كما لوحظ وجود طائفة من الألفاظ، وهي (سمع) ، و (قول) ، و (تجادلك) ، و (تشتكي) و (يسمع) ، و (تحاوركما) ، و (سميع) . هذه الألفاظ بعضها فعل ماضٍ، وبعضها الآخر فعل مضارع، دال على الحال، وبالإضافة إلى الصيغ الاشتقاقية الأخرى، وهي كلها تدخل في معنى الجدل وصيغه: قولًا وسماعًا وحوارًا، بله لفظَ الجدل نفسَه.
أتطرق بعد الآية الأولى من استهلال سورة المجادلة، إلى مصطلحها القرآني، كما ورد في غيرها من سور القرآن، فقد تكرر تسعًا وعشرين مرة فعلًا ومصدرًا، منها خمس وعشرون استُخدم فعلها ماضيًا أو مضارعًا، في معظم الأحيان، وفعلًا أمرًا مرة واحدة في قوله تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) (2) بعد قوله في مطلع الآية نفسها: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) . هكذا يأمر الله تعالى رسوله محمدًا (ص) أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة، وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة. والملاحظ في أمر الله تعالى: (وجادلهم) أي جادل من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال كما في التفاسير. وهكذا يضعُ لنا الله تعالى المنهج الأمثل في الجدل، وهو أن يكون"بالوجه الحسن برفقٍ ولينٍ وحسن خطاب" (3) كقوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسنُ، إلا الذين ظلموا منهم) (4) ."