فهرس الكتاب
وبعد هذا النفي المفيد للإثبات تأتي بشارتان في ثوب وعد يتحقق بالتأكيد مستقبلًا إن في الدنيا وإن في الآخرة، وأولاهما تمثلها الآية الرابعة"وللآخرة خير لك من الأولى"وهي تقوم على التفضيل والحذف: فالآخرة صفة لموصوف محذوف قد يكون الدار أو الحالة، والأولى صفة أيضًا لموصوف محذوف قد يكون الدار أو الحالة السابقة، ولم لا يكون المراد الأمرين معًا؟ وكلمة"خير"توحي بأن الخير الآتي يأتي تأكيدًا للرعاية السابقة ممثلة بمواصلة الوحي واستمرارية الحب، وفي هذا ما فيه من تطمين لنفس الرسول القلقة، وتوحي بأن الحياة الآخرة ستكون خيرًا من الحياة الدنيا لخلوها من المنغصات المؤلمة التي تحفل بها الحياة الدنيا. وبما أن التفضيل يفيد معنى المشابهة، فإنه يوحي أيضًا بأن الحياة الآخرة والحياة الأولى حياتان تكمل إحداهما الأخرى تحقيقًا للتكامل الكوني الذي تنبض به الثنائية الضدية في الآيتين:"والضحى. والليل إذا سجى"في مطلع السورة كما رأينا.
والبشارة الثانية تمثلها الآية الخامسة:"ولسوف يعطيك ربك فترضى"وهي تقوم على التأكيد وحذف المفعول الثاني للفعل يعطي، والتقدير: ولسوف يعطيك ربك ما ترغب فيه حتى ترضى. ولكن ما الذي يرغب فيه الرسول الكريم؟ وماذا يرضيه من عطاء الله؟ وما ماهية هذا العطاء؟ أهو دنيوي أم أخروي؟ ههنا نوع من الغموض المثير للتفكير يأتي سبب نزول الآية لإلقاء ضوء عليه فقد أنزلت كما رأينا بعد أن أبدى الرسول (ص) سروره لرؤيته ما فتح الله على أمته قرية قرية. وإذًا ما يرغب فيه إنما هو الرفعة والعز في الدنيا له ولأمته من بعده.
وأما ما يرغب فيه في الآخرة فهو النعيم الأبدي الذي لا ينغصه شيء والمنزلة الرفيعة. هذا إذا ما راعينا سياق السورة السابق. وتحقق رغبة الرسول إن هو إلا العطاء المؤكد الذي سيمن عليه الله به، واستخدام اللام في مستهل الآية أكانت للقسم أم للابتداء، يؤكد تحقق هذا الوعد.