فهرس الكتاب
وتكرار لفظ"الضحى"في مطلع السورة يمنحه أهمية خاصة يعزّزها القسم، فقد جاء في سياق خاص يقوم على ثنائية ضدية مع الليل حين سُجوِّه أي سكون أهله على المجاز العقلي، وإذًا لابد للضحى الذي استخدم ها هنا بمعنى النهار على المجاز المرسل من الاتصاف بصفة تُضاد صفة الليل، فإذا ما كان سكون البشر في الليل يوحي بانصرافهم إلى التأمل، فالناس في النهار ينصرفون إلى العمل، وإذا كان سكون الليل يوحي بخلود البشر إلى الراحة، فهم في النهار أيقاظ يعانون المشقة.. والليل والنهار يكوّنان وحدة زمنية هي اليوم، والأيام تتوالى في دورة كونية ما دامت الحياة موجودة على الأرض، فكأن القسم إنما هو قسم بالحياة الدالة على القدرة الإلهية.
وفي إطار هذه الحياة يأتي الحدث الذي تشير إليه الآية الثالثة"ما ودّعك ربك وما قلى"حيث يتحول الكلام إلى نفي يتضمن إثباتًا، وهذا النفي إن هو إلا ضرورة تفرضها مناسبة النزول، فهو نفي للفرية التي افتراها المشركون على الرسول الكريم، ومؤدى هذه الآية: ما فارقك ربك بتوقف الوحي مفارقة توديع لا عودة بعده، وذلك بعد أن اختارك رسولًا، ولم يبغضك بعد أن خصك بحبه وآثرك، فالمواصلة قائمة والحب قائم، فكيف تتوهم نقيض ذلك؟