لقد قلنا شيخ الطريقة ولم نقل مؤسسها ولهذا أهميته. ففي الحقيقة يبدو من باب الشطط، حسب معارفنا اليوم، أن نؤكد أن الجيلاني قد أسس القادرية خلال حياته. ويظهر بالأحرى أن هذه الطريقة لم تظهر إلا بعد وفاته. وسمتا شخصية الجيلاني المزدوجة هاتان، أي شخصيته التاريخية وشخصية مؤسس الطريقة تضطران الباحث الحديث إلى أن يختار بينهما وإلى أن يحدد موضوع دراسته بدقة.
إن دراسة أسطورة شيخ الطريقة من الناحية الاجتماعية والإيديولوجية أمر مشروع كما هو مشروع أن يدرس الشخص نفسه من الناحية التاريخية. وبعد أن يحدث اختيار هذه الدراسة أو تلك ينبغي لنا أن نفصل فصلًا كاملًا بين هذين النوعين قدر الإمكان. وبما أنني اخترت الحديث هنا عن شخصية الجيلاني التاريخية فسأحاول أن أطرح بعيدًا كل ما يتعلق بأسطورة شيخ الطريقة، وإلا اختلطت علينا الدروب.
مسألة المراجع
إن أول القضايا وأهمها هي ولاشك تلك التي تتعلق بالمراجع التي يمكن استخدامها ضمن منظورنا، وعليه فإن أول ما نلاحظه هو أن المراجع المتوافرة لدينا هي كثيرة وشحيحة معًا. فهي كثيرة بخصوص شيخ الطريقة وشحيحة فيما يتعلق بالرجل التاريخي. ويجب أن نضيف إلى هذا أن المعطيات تختلط في أحيان عديدة حتى ليصعب أن نميز منها ما يعود لهذا الجانب أو ذاك من شخصية الجيلاني، وأن المصادر التي تضم معلومات عن شخصية الجيلاني التاريخية هي بطبيعة الحال مصادر من القرن السادس، أي إنها مصادر معاصرة ولكنها على أهميتها ضعيفة العدد.
وسنعود إلى هذه النقطة فيما بعد، وأما المصادر المتأخرة، وهي عديدة، فإنها تنتشر من القرن السابع وحتى عصرنا الحديث. ولكنها، باستثناء عدد ضئيل منها، مشبعة كل الإشباع أو بعضه بما سنسميه بالذهنية الطرقية، وهي ذهنية لا تعنى إلا قليلًا باحترام الموضوعية التاريخية كما نراها في عصرنا.