فهرس الكتاب

الصفحة 14793 من 23694

كانت بغداد عاصمة الدولة العباسية حين وصلها الجيلاني ما تزال تحت سيطرة السلاجقة، وكانت قد اختلفت عليها أيام الهدوء وأيام الاضطراب. ولكن سياسة الأمر الواقع كانت تسود بين الخليفة صاحب السلطة النظرية والسلطان صاحب السلطة الفعلية منذ تولى الخليفة المستظهر الأمر عام 487هـ/1094م ووقوع الخلاف في أوساط الأسرة السلطانية (النزاع بين برقيروق ومحمد بن ملك شاه) . ولم يكن الأمر كذلك في الميدان الإيديولوجي حيث كان الاضطراب كبيرًا. فقد كان النزاع يشق صفوف السنة منذ قرن من الزمان تقريبًا بين الأوساط التقليدية من جهة والحركة الأشعرية الناهضة من جهة أخرى. وكانت الأوساط التقليدية تشمل الحنابلة خصوصًا وبعض ممثلي المذاهب الأخرى، بينما كان الحركة الأشعرية تعتمد على قاعدة محلية وأخرى خارج بغداد، فقد كان عدد من الأشاعرة قد جاء بغداد بصحبة وزير السلطان نظام الملك ثم استمرت حركة الهدرة من المدن الخرسانية إلى عاصمة الخلافة طوال المرحلة التي تهمنا هنا. وكان الفقهاء وخصوصًا الشافعيين منهم، والمتصوفون الأشاعرة أو الوعاظ (وكان هؤلاء ذوي ثقافة محدودة) يجدون في بغداد من يعملون في خدمته. فقد كان من عادة كل حزب سياسي أن يلجأ إلى وسائل النضال الإيديولوجي حين لا يلجأ إلى الوسائل الأخرى. وكان كل حزب ينشر دعواه سواء في أماكن التدريس أو في بيوت الخاصة أو في الأمكنة العامة، ولم يكن النشر يتم دائمًا عن طريق الفقه أو الكلام- فقد كان هذان الميدانان يحتاجان إلى دراسة واختصاص- وإنما كان يتم كذلك عن طريق الوعظ. وكان هذا الشكل من التعبير الشفهي يتلقى أي مضمون باسم الدين. ولم يكن يستخدم لنقل الفكر وحسب وإنما كان يستخدم على نطاق واسع لبث دعاية مختلف الأحزاب القائمة، والأحزاب في ذلك العصر أحزاب سياسية دينية. ويدين كثير من الأشخاص بشهرتهم للوعظ. ومن هؤلاء الجيلاني كما سنرى، وقد تطورت كثيرًا أشكال مكافأة حملة الإيديولوجية هؤلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت