فهرس الكتاب

الصفحة 14794 من 23694

وهذا يستحق وقفة وخصوصًا أن الجيلاني قد استفاد منها كثيرًا. فبالإضافة إلى الإثابة بالنقود أو بالأعطيات ظهر ما يمكن أن نسميه بمفرداتنا الحديثة بمراكز الاستقبال، وهي المدارس بالنسبة للفقهاء والأربطة بالنسبة لأشخاص كثيرين لم يكونوا كلهم آذان متصوفة. فتخصص أربطة بغداد باستقبال المتصوفين المعروفين بذلك ظهر فيما بعد في نهاية القرن السادس/ الثاني عشر. ولم تكن بغداد أول مدينة تظهر فيها مؤسسات من هذا القبيل، فنحن نراها في مدن أخرى منذ وقت سابق. ولكن ما يثير الاهتمام هو الطابع العام الذي تكتسبه هذه المؤسسات قليلًا قليلًا في بغداد. فلقد صار من الذائع أن يكافأ واحد من حملة الإيديولوجية بأن تعهد إليه مدرسة أن كان له نصيب من الفقه وإلا فرباط حتى لو كان مجرد واعظ. وكانت هذه المؤسسات كوقف حقًا لا يجوز التصرف به من بيع أو شراء نظريًا. وبطبيعة الحال، فان هذه القاعدة لم تكن مرعية دائمًا. ومع ذلك فان اضطراب شؤون المدرسة النظامية الدائم كان هو الاستثناء كما يبرهن على ذلك جورج مقدسي. فكان القائم على هذه المؤسسات وأفراد أسرته في مأمن من تقلبات الزمان وغوائل الحاجة، ولم يكن ذلك أمرًا هينًا في تلك الأيام. وكذلك فان استقلال هذه المؤسسات الاقتصادي نسبيًا كان يوفر للقائمين عليها إمكانيات للنضال لا تقارن مع ما كانوا عليه قبل ذلك. وكان الأمر يبلغ أحيانًا أنهم يصبحون مجموعات ضغط ومراكز قوى. وهكذا فنحن ندرك كيف أن بغداد لم يكن يؤمها طلاب العلم وحسب وإنما أشخاص يبحثون عن الشهرة وذيوع الصيت.

عبد القادر ومرحلته البغدادية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت