فهرس الكتاب

الصفحة 14795 من 23694

على الأغلب، ومهما يكن الأمر، فان الجيلاني قد جاء بغداد طالبًا للعلم على ما يظهر. وقاسى فيها شظف العيش كما تخبر المصادر الطرقية التي تصفه لنا وهو يأكل الأعشاب البرية. وما تقدمه هذه المصادر على أنه مران صوفي يجب أن يفهم بالأحرى على أنه ضرورة الحاجة. ويتضح من لائحة شيوخه الذين يذكرهم ابن الجوزي وابن رجب أن الجيلاني كان حنبليًا. وإذن فلم يكن له أن ينعم بما كانت المدارس والأربطة تقدمه لنزلائها، فقد كانت جميع هذه المؤسسات قد أنشأها في ذلك الوقت أعوان السلطان، وكانوا خصومًا للحنابلة، ويظهر إذن أن الجيلاني قد عاش حياة طالب فقير، ودرس الحديث والفقه حتى التقى، في تاريخ لا نستطيع تحديده برجل يعتبر شيخه الأكبر في الفقه هو أبو سعد المخرمي الحنبلي المتوفى عام 513هـ/1119م. فكان لقاء حاسمًا. فالمخرمي هذا يعرف بأنه حنبلي أنشأ مدرسة. ومدرسة الفقه هذه كانت تتضمن ككل المؤسسات المماثلة غرفًا يقيم بها الطلبة وكانت تمنحهم معاشًا. وقد أقيمت هذه المدرسة في باب الزج بعد أن عين المخرمي كقاض في هذا الحي عام 494هـ/1100م. ونحن نجهل أأقام الجيلاني في مدرسة شيخه هذه أم لا؟، وأن الخبر الموثوق الوحيد الذي وصلنا عن تلك المرحلة نقله ابن رجب بخصوص ابن المندى الأصفهاني. فهو يروى أن الجيلاني قد استمع إلى الدروس التي ألقاها ابن المندى هذا حين مر ببغداد في بداية القرن السادس/ الثاني عشر. وكل هذا مألوف. ويظهر أن سمعة الجيلاني وله من العمر ثلاثون عامًا كانت معدومة تمامًا. ولنذكر مثلًا أن أبا الحسين لا يذكره بين تلاميذ المخرمي في كتابه طبقات الحنابلة وأن الروايات التي تجعل المخرمي ينقل إلى الجيلاني خرقة التصوف أوهام وأباطيل. فالمخرمي. حسب معاصريه حنبلي ككثيرين غيره وليس ها هنا بنقل الخرقة. ومات المخرمي عام 513هـ/1120، وكان قد عزل من الإفتاء قبل عامين من ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت