فهرس الكتاب

الصفحة 14798 من 23694

إن أول إشارة تاريخية أكيدة بخصوص الجيلاني نجدها عام 521هـ/1127م، وهي تعود إلى ما سنطلق عليه بداية مرحلة ذيوع صيته. هذه المرحلة تمتد خلال أربعين عامًا وللجيلاني في بدايتها خمسين عامًا وواحدًا وتسعين عامًا في خاتمتها. لقد أصابه النجاح وقد تقدم في العمر، ولكن ذلك لم يكن أمرًا نادرًا في تلك الأيام. وكان نجاح ابن الجوزي الباكر، إذ كان له عشرون عامًا تقريبًا، هو الأمر النادر. وقد بلغ الجيلاني الشهرة، مثل كثير من معاصريه، عن طريق الوعظ. وقد اختار معسكره واعترف معسكره به فظهر كحامل لواء الحركة الحنبلية التقليدية معارضًا أبا الفتوح الاسفارائيني صاحب رباط أرجوان الأشعري، وكانت أقواله قد أثارت جدلًا كبيرًا في بغداد ذلك العام. ويذكر ابن الجوزي فيقول: وظهر عبد القادر واتخذ مجلسًا في الحلبة، والتم إليه أهل السنة فغلبوا بفضله.. والحلبة هذه مكان مكشوف كان من عادة الوعاظ أن يجتمعوا فيه. ولنذكر أن الشيخ العلوي الخراساني أستاذ ابن الجوزي قد ودع أهل بغداد فيها، كما يذكر ابن الجوزي في كتابه المنتظم: وقام مودعًا أهل بغداد قرب الحائط (ويقصد به السور الذي كان المستظهر قد رفعه عام 448هـ/1095) الملاصق للرباط الموجود بطرف حي الحلبة. وإذن فالأمر كما يلي بخصوص الجيلاني: يظهر الجيلاني، وهو نكرة بعد، كواعظ مجاني في لحظة دقيقة من الصراع الدائر بين الحركة التقليدية والحركة الأشعرية وهو لا يحتاج لرخصة لأنه كان يعظ في مكان عام ولأن مهنة الواعظ لم تكن قد نظمت بعد كما ستصير عليه الحال حين يسعى الخلفاء بعد أن استتب لهم الأمر اعتبارًا من 545هـ/1152م إلى ضبط التعبير الإيديولوجي. ويلاقي الواعظ الناشىء نجاحًا كبيرًا. وهذا أيضًا لم يكن أمرًا نادرًا. فقد رأينا أن الوعظ قد شهر كثيرًا من الناس. وليس من حاجة إطلاقًا لتفسير هذا النجاح السريع بقدرات صوفية غير عادية، كما لجئ إلى ذلك فيما بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت