فهرس الكتاب

الصفحة 14803 من 23694

والأخبار الموثوقة المتوافرة بين يدينا لا تطابق هنا كذلك الصورة الشائعة عن الجيلاني كمعارض سياسي. فقد استدعي الجيلاني للمرة الأولى على ما يبدو إلى مسجد القصر لاقامة الصلاة على الميت عام 541هـ/1146م في شهر ربيع الثاني. وكان ذلك على روح شخص معروف هو عبد الله بن علي القارىء الأديب النحوي الحنبلي وحفيد الحنبلي الشهير أبي منصور الخياط الذي عاش في النصف الثاني من القرن الخامس/ القرن الحادي عشر. ولهذا الأمر معناه في تلك الأيام. فمسجد القصر موجود داخل أسوار القصر، أي أنه لابد من رضى الخليفة لدخوله، وسنرى الخليفة فيما بعد يمنع الفقيه الشافعي يوسف الدمشقي من دخول المسجد. وكان يوسف هذا شيخًا في المدرسة النظامية عينه فيها السلطان بغير رضى الخليفة. وسيظهر الأمر بوضوح أكثر كتكريم للجيلاني حين نصف الجو السياسي آنذاك. فلقد ارتقى المقتفي الخلافة عام 530هـ/1135م بعد عزل الراشد وخلعه، مما جعله تابعًا إلى درجة عالية للسلطان ولوزيره الجديد علي بن طراد. ولكنه سيسعى منذ ذاك إلى التخلص من هؤلاء الذين ساعدوه وهم يطمعون بأنه سيكون العوبة بين أيديهم، وسيلجأ من أجل ذلك إلى شتى الوسائل. وإذا كانت الوسائل المادية للضغط ما تزال تنقصه فان المقتفي يلجأ إلى وسائل الصراع العقائدي. فهو يأذن مثلًا لابن العبادي الواعظ الشافعي الأشعري بالوعظ في مسجد القصر عام 541هـ/1146م ويقره في ذلك رغم ضغوط الغزنوي الواعظ الذي كان يخطب في المسجد نفسه، ويشكل قوة حقيقية في بغداد آنذاك. ولكنه كان من جماعة السلطان. أي أن الخليفة لعجزه الحالي عن مجابهة الغزنوي يثير عليه من يتصدى له. وعليه فان وجود الجيلاني الذي ينتمي لحزب ديني يناصر الخليفة وفي قصر الخليفة وفي مناسبة رسمية لا يفسر إلا على أنه دليل على حظوة عند الخليفة. وهذا جزء من خطة كان الخليفة يتبعها لاضعاف السلطان ولاستعادة سلطته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت