فإنه من الواضح أن الحركة الصوفية الطرقية ما كان لها أن تظهر ثم تتطور وتدوم لولا هذه الميزات الاقتصادية ضبطًا. وكان هذا منعطفًا كبيرًا. ولنذكر أن الحركة التقليدية كانت تأبى أن يعيش المؤمن، زاهدًا كان أو لا من راتب ما، حتى لو كان راتب معلم، وإنها كانت ترى أن على كل مؤمن أن يمارس حرفة يدوية أو مهنة في السوق. وكان السوق آنئذ مكانًا تظهر فيه الفضيلة. ولكن السوق سيكون بالنسبة للجيلاني ومعاصريه مكانا للفساد. وكان أهل الكسب يشغلون أدنى الدرجات وأحطها.
إن الجيلاني لا يتحدث عن مؤسسة الرباط في الغنية، ولا يشير إليه إلا ليذكر أنه لن يصف عادات المتصوفين المقيمين به. ونستطيع أن نشرح تحفظ الجيلاني هذا بأن تطور الحركة الصوفية لم يكن قد اكتمل بعد، وبأن الحركة التقليدية التي كان ينتمي إليها كانت تتحفظ أمام هذا الطراز الجديد من الحياة. ولنذكر أن أول رباط حنبلي ظهر في النصف الثاني من القرن السادس/ الثاني عشر. أي أن الأمر كان في مرحلة التجريب ونادرًا في زمن الجيلاني. ولن تتخصص الأربطة على نحو نهائي بالمتصوفة إلا في وقت متأخر يبدأ مع خلافة الناصر. إن الجيلاني ولاشك واحد ممن قطعوا خطوة حاسمة لاقامة وضع خاص بالمتصوفين في الميدان الفكري. وأما أنه لم يذكر ما هي الأشكال التي ستظهر فيها أفكاره فهو أمر ليس بذي شأن، لأن الأجيال التالية ستتكفل بذلك طوال القرن السابع/ الثالث عشر.