فهرس الكتاب

الصفحة 14811 من 23694

وهكذا يظهر عبد القادر الجيلاني الذي عزمنا على دراسة شخصيته التاريخية بعيدًا عما يصوره المؤرخون الطرقيون كشيخ للطريقة، وهو أمر صحبه بعد وفاته. وإن لم يكن للجيلاني علاقة بشيخ طريقة كثير الأتباع، أو بصاحب معجزات يرتجف أمامها الخليفة، فانه يظهر رجلًا ينتمي إلى عصره كل الانتماء. ولم يكن نجاحه المتأخر قائمًا على التصوف وإنما كان بفضل استخدامه بفطنة لا تضل ما كان يُشهر في أيامه إلا وهو الوعظ. وقد عرف كيف يقوي من نجاحه دون أن يكف عن الوعظ بأن أصبح مديرًا لمدرسة ثم شيخًا في الفقه، وهو منصب ثابت ويدر عليه مالًا كثيرًا ظل عليه حتى آخر أيامه.

وأما على الصعيد السياسي فقد ارتبط بالحركة التقليدية منذ ذاع صيته، فتبنى مواقفها كواعظ في وقت عصيب وظل على ذلك حتى وفاته. وكانت تلك الحركة الدينية السياسية نصير الخلاقة، فساهم الجيلاني في إحياء سلطة الخليفة وتعزيزها معًا. ولم يكن أبدًا معارضًا للخليفة بعكس ما تدعيه المصادر الطرقية، بل كان صاحب حظوة عنده بصفته من صناع الإيديولوجية. ويمثل الجيلاني إذن على المستوى التاريخي رجلًا مندمجًا في عصره عرف كيف يقتنص فرص النجاح. ولكن شهرته اللاحقة لا تقوم على هذا طبعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت