فهرس الكتاب
ومن المعروف أنه لولا دعاة التجمع والاتحاد (( لضاعت الأديان وتشعبت أخلاق الأمم، ونالهم ما نالنا من أن كل فرد منا أصبح أمة في ذاته ) ) (53) ، وهذه الذاتية لا ترقى لا بالمجتمع ولا بالفرد، لأن الإنسان (( مدني بالطبع، لا يعيش إلا بالاشتراك ) )فكيف لا نطالب بالاجتماع والاشتراك ونحن في ديننا ما يحثنا على ذلك، هذا علاوة عمّا نلاحظه من ثمرات الاجتماع في الأمم الحية المعاصرة، التي مع أنه ليس لديها الجماعة والجمعة وجمعية الحج، فقد احتال أهلها للاجتماع وتبادل الآراء بوسائل شتى منها: العطلة الأسبوعية، وإعداد الساحات والمنتديات للاجتماع والمذاكرة والتظاهرات، والاهتمام بالمتنزهات العامة وبالاحتفالات الرسمية والمهرجانات، والاعتناء بالمسرح، وتخصيص أيام لاحياء ذكرى السلف، وإقامة النصب التذكارية، ونشر الوقائع والمطالعات في الجرائد، وإنشاد الأغاني الحماسية، وذلك كله ليتمكنوا من تداول أحوالهم فيما بينهم بطريقة شورية. والمسلمون لديهم الوسائل المؤسسة للشورى والكفيلة بترتيب اجتماعاتهم، وأعني بذلك يقول الكواكبي- صلاة الجماعة والجمعة، وجمعية الحج التي يمكن التوسل بها لإنشاء جمعية يتباحث المسلمون فيها بشؤونهم (54) .
وبعد إيصائه بضرورة إنشاء جمعية الموحدين، يحاول أن يضع قانونًا لها، على لسان ممثلي الأقطار الإسلامية، الذين تخيلهم مجتمعين في مكة للتباحث، وجعلهم يخرجون، نتيجة اجتماعاتهم، بقانون يبدأ بمقدمة تقول: إن المسلمين في فتور يجب تداركه، وسبب الفتور هو تهاون الحكام ثم العلماء ثم الأمراء. وجرثومة الداء هي الجهل المطلق، وخاصة الجهل في الدين. والدواء هو: أولًا، في تنوير الأفكار بالتعليم، وثانيًا، في إيجاد شوق للترقي في رؤوس الناشئة. ووسيلة المداواة هي عقد الجمعيات التعليمية القانونية. والمكلفون بالتدبير هم حكماء الأمة ونجباؤهم من العلماء، لتتم إزالة الفتور بالتدريج. والعرب هم أهل لإزالة هذا الفتور.