فهرس الكتاب
ونقف قليلًا عند مثال واحد يفتح الباب لتسرب بعض الدخيل اللغوي الفارسي إلى العربية هو الشاعر الجاهلي الأعشى (ميمون بن قيس) الذي ولد في إقليم اليمامة حيث كانت قبائل بكر التي نشأ في أحضان أحد بطونها"بنو قيس بن ثعلبة". فالأعشى كان يتردد بين اليمامة والعراق، ونجدُ في شعره ذِكرًا لبلدتي"عانة"و"بابل"من العراق. كما نجد ذِكرًا للحيرة، عاصمة المناذرة القريبة من الكوفة. ونقرأ بيته في الخمر:
ولقد شربت الخمر تركضُ حولنا تُرْْكٌ وكابُلْ
ولعلّه يقصد بالترك والكابل جواري أو راقصات ممن استُجلبن من بلاد الترك وأفغانستان التي عاصمتها الحالية"كابل"أو كابول" (20) ويذكر في شعره الأديرة التي شرب قربها أو فيها، كما يذكر الرياحين والطيوب مما كان يستحضر في تلك المجالس، كما في قوله:"
لنا جُلَّسانٌ عندها وبنفسجٌ
وآسٌ وخِيْريٌّ ومروٌ وسوسنٌ ... إذا كان هِنْزَمْنٌ ورحتُ مُخشَّما
وشاهَسْفَرِِمْ والياسمين ونرجسٌ ... يُصَبِّحنا في كلّ دَجْنٍ تَغَيّما
فكم من الألفاظ الفارسية في هذه الأبيات الثلاثة وحدها؟ ... بمعصمها والشمسُ لمّا ترجَّل
إن احتكاك الأعشى برهبان الأديرة، وبالجواري التركيات، ووقوفه على مسميات غريبة يعجّ بها مجلس خمر في بيئة فارسية مترفة (21) ، ومشاهدته لألوان من الرياحين وأنواع من آلات الطرب التي لم يعرفها العرب.. كل ذلك يجعل من المحتّم عليه أن يقتبس المسميات ويضمّنها شعره، ولو من باب الهزل والاستطراف. وعلى هذه الصورة وشبيهاتها بدأ العرب يأخذون الدخيل الفارسي.
ونطيل هذه الوقفة عند الأعشى قليلًا فنقول: إن ما أدخله في شعره من الفارسية يمكن رصد معظمه في المسميات الآتية: