الحقيقة أن"الغريب"لم يطلق مجازًا على معنى الشرح والتوضيح، لفقدان الشرعية في اللغة التي تسمح له بهذا الجنوح المعنوي؛ لأن المجاز"أن يسمى الشيء باسم ما قاربه أو كان منه بسبب ( [64] ) كما في قول معاوية بن مالك: (من الوافر) "
إذا سقط السماءُ بأرضِ قومٍ
أراد للسماء المطر، لقربه من السماء. ... أبتْ أعجازُه إلا التواءََ ( [72] )
والغريب أيضًا ليس مما يقارب الشرح والتوضيح ولا سببًا منه، ولم يجر استعمال"الغريب"على سنن العرب الأخرى كوصف الشيء بما يقع فيه أو يكون منه، كما في قولهم:"ليلٌ نائم"أي ينام فيه، و"ليل ساهر"أي يسهر فيه ( [66] ) فهم وإن قصدوا ألفاظًا يقع فيها الإغراب والإبهام، إلا أنهم جمعوا في بطون مؤلفاتهم ألفاظًا متداولة معروفة على كل لسان.
يبقى الأمر موضع إشكال، وهو يتطلب تدبرًا واجتهادًا واستنادًا إليهما ننفذ إلى أن العلماء الذين ألفوا في"الغريب"لم يجهلوا معنى الغريب، ولكن هناك ملابسة يمكن على ضوئها تفسير مذهب العلماء في التسمية، وهي:
1-إن ألفاظ العربية -بعد اجتماع العربية في لغة قريش- لم تحمل الدلالة الواحدة عند القبائل المختلفة. فقد تحمل لفظة معنى في قبيلة، ومعنى مخالف في أخرى، يتوضح معنى الاختلاف- كمثل- من خلال مادة"قرء"قال المبرد: أهل الحجاز يرون"الإقراء"الطهر، وأهل العراق يرونها الحيض، وأهل المدينة يجعلون عِدَد النساء الأطهار ( [67] ) ولهذا اعتور العربية الإغراب والكل، نتيجة اجتماع القبائل. فلفظةٌ تتداول على لسان قوم، تعتبر غريبة لدى قوم آخرين، وقد ألمح ابن فارس إلى ذلك، قال:"كل هذه اللغات مسمّاة منسوبة وهي وإن كان لقوم دون قوم فإنها لما انتشرت تعاورها كَلٌّ. ومن الاختلاف اختلاف التضاد، وذلك قول حِمْيَر للقائم: ثِبْ أي اقعدْ" ( [68] )