فهرس الكتاب

الصفحة 15163 من 23694

ثم شكَّل سقوط القسطنطينية بأيدي العثمانيين صفحة جديدة من صفحات انتشار العربية، فوصلت بذلك إلى واحدة من أهم المدن الأوروبية الكبيرة الموغلة في الحضارة والقدم، وتبع ذلك سقوط حواضر أخرى كثيرة في شرق أوروبة على أيدي العثمانيين، كصوفيا، واشقودره (1) واسكوبيا، وسراييفو، وبلغراد، وقبرس (2) ، وسالونيك، وغيرها، ووصل العثمانيون إلى قسم كبير من النمسا، وحوصرت فيينا لفترات طويلة وكانت عاصمة لامبراطورية عظيمة في ذلك الوقت ودقت أبوابها بقوة. وأسهم ذلك في وصول العربية إلى تلك البقاع، على اعتبار أنها لغة الدين الإسلامي، وأنه لابد لمن يتَّبع هذا الدِّين على نحو صحيح من معرفة العربية بشكل سليم، فأقيمت المدارس في تلك البقاع وسواها، وانتشرت العربية انتشارًا واسعًا في معظم تلك المدن، وفي غيرها أيضًا من المدن الأصغر مساحة والأقل شأنًا، وبلغ الأمر ببعض أهل العلم من المتنورين، من أبناء تلك المناطق أن فكّروا باعتماد الحرف العربي في أبجديات لغات بعض الشعوب البلقانية، تقليدًا لما فعله العثمانيون من قبل حين اعتمدوا الحرف العربي في أبجديتهم الشهيرة، وكان من بين أصحاب تلك المحاولات الكاتب رجب فوكا (3) .

وهكذا أصبحت العربية لغة عالمية وازداد اهتمام الأوساط العلمية العالمية بها، ونشطت مراكز العلم وقلاعه في عموم أوروبة لدراسة العربية على أيدي فئة من المتبصرين من علماء تلك الشعوب وأبنائها والنظر في أنجح الوسائل لإيقاف مدّ الإسلام الجارف نظرًا لما كان يمثله من خطر على حضارتهم وثقافتهم من وجهة نظرهم. وظهرت من بعد ذلك مراكز استشراق في بلدان أوروبية مختلفة، أصبح لها أهداف أخرى غير دراسة العربية وشؤون حضارة الإسلام ومايتصل بذلك، فتحوّلت طلائع المستشرقين من الجيل الثاني إلى مستشارين لحملات عسكرية كثيرة وجِّهت إلى بلدان عربية مختلفة (4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت