إن النفس قوة إلهية بين الاسطقسات والعقل، أي بين ما هو خارجي مفكر فيه، وما تتمكن منه النفس لمساءلة عالم الأظلة هذا، واحتوائه بغرض بلوغ العالم المثال المتعالي، والنفس بهذا الطرح- الذي يتبناه التوحيدي- تختلف عنها في مفهومنا العادي من حيث كونها تهب الجسم انتعاشًا وروحًا، وإنما تتعدى ذلك إلى المستوى الراقي المترفع عن مادية البدن ووظائفه البيولوجية وأكثر من ذلك فإن هذه النفس تتميز عن بقية النفوس الأخرى، ولا مجال للالتقاء بينهما في محاولة تحديد معرفة العالم، أو على الأقل تباعد هيولتها وتميزها عن الآخرين من حيث لا قرار لها، ولا ثبات لصفاتها على الرغم من أنها جزء من النفس الكلية التي بها تتحدد الأنفس الجزئية كما جاء في قول التوحيدي:"إن نفسك هي إحدى الأنفس الجزئية من النفس الكلية، لا هي بعينها، ولا منفصلة عنها، كما أن جسدك جزء من العالم لا هو كله ولا منفصل عنه.. ولو قال قائل: إن جسدك هو كل العالم، لم يكن مبطلًا لأنه شبيه ومسلوك عنه، وبحق الشبه يحكيه، وبحق الانسلال يستمد منه، وكذلك النفس الجزئية هي النفس الكلية لأنها أيضًا مشاكلة لها، وموجودة بها فبحق الشبه أيضًا تحكي حالها، وبحق الوجود تبقى بقاءها" (12) .