فإذا كان ثمة من تقليد صوفي حقيقي بوشر به ثم، اتّسع في إيران الإسلامية، فإن هذا كان بفضل خلق جو جديد من الأفكار وعلى الخصوص بفضل عمق المبادئ الإسلامية وتعاليم الرسالة الشمولية التي تؤاخي بين الناس والتي جاء بها القرآن، وهي رسالة تنبذ كل شكل من أشكال العصبية سواء ما تعلق منها بالعرق أو اللون أو الامتيازات أو الأصل الجغرافي. وقد أنبت هذا الصعيد المناسب الكثير من العبقريات الأدبية والفنية، بما قد أتاحه من ظهور إمكانيات إنسانية واسعة كانت دفينة حتى يومئذٍ.
على الرغم من أن التطورات التي لاشك أنها حدثت في إيران الإسلامية قد استثارت، في نظرة إلى الخلف، إعادة لتقويم بعض من مفاهيم الإيمان القديم، إلا أنه من غير المقبول الاعتقاد بأن مأثورًا طويلًا من الدين والثقافة كان مجردًا كلّيًا من فكرة صوفية على نحو من الأنحاء.
كل شيء يحملنا على الاعتقاد بأن جرثومة التصوف كانت موجودة، بل ومنتشرة، في إيران في نهاية الحقبة الساسانية (قبل انهيار السلطة الملكية الطاغية) : لقد كانت هذه نتيجة لتوافر شرط اجتماعي معين- ضاغط ومبدع نتج عن روح طبقية على نحو من الأنحاء- جعل الناس يتجهون نحو تفسير يضفي روحانية أكثر على الأساطير والدغماطيقات الرسمية.
قبل كل شيء، يتعين علينا أن ندرس، بإيجاز وعلى حدة، المكونات المختلفة لمجتمع لا تُقدّم عنه الشهادات التاريخية، بكل أسف، سوى معلومات فضفاضة عن السلطة القائمة يومئذٍ وعن حياة الناس وتطلعاتهم.
ولكي نتفادى كل التباس وكل إضافة غير مجدية من المشكلات القديمة، نفضل، في النطاق المحدود بهذا البحث، اعتبار هذه المسألة وفقًا لبنية داخلية، طارحين جانبًا مظهرها الخارجي.