على الرغم من أن دعوة زرادشت كانت تنطوي على روح إصلاحية، إلا أن الأجزاء المختلفة من"الأفستا"في صيغتها الحالية، تنطوي على بقايا من عبادات ترجع إلى ما قبل المزدية. ولقد كانت ذكريات هذه العبادات هي الأساس لعدد معين من الخصوصيات (مصالح خاصة) الاجتماعية والإيديولوجية مؤيّدة، بالتوازي مع تعاليم النبي الإيراني، من سلطة ملكية تنسب نفسها، بحكم موقعها من السلطة، إلى سلالة شبه إلهية. وبما أن توضيح وتحليل الأفكار الأساسية الخاصة برسالة زرادشت لم نباشرهما قط، نلاحظ مع ذلك، في ضوء تفكير وبحث جدَّيّيْن، تلك الحساسية المزدوجة التي يتصف بها مأثور ألفيّ يعكسه ركام كثيف من المعطيات التي اشتملت عليها"الأفستا".
إننا نستخلص نتائجنا وأفكارنا من النصوص المزدية التي يُعتقد أنها تحتوي على كتابات قديمة، على الرغم من أن قسمًا كبيرًا منها جرى تحريره في زمن متأخر.
لقد اختلطت بمفاهيم صاغها الأدب المتأخر الذي يعود إلى فرقة"البَرْسي" (وهم ذرية أتباع زرادشت الإيرانيين الذين هاجروا إلى الهند في الماضي) .
لقد جاءت إلهاماتُ تصوّفيّةٍ معينة نتيجة لسياقات طويلة تنامت على مراحل. فقد باشرها التأمل في الصور الميطيقية (=الأسطورية) - ناتجة عن كوسموغونيا (=ولادة الكون) ومولّدة لميتافيزيقا تناسبها-، مرورًا بتأسيس أوامر ونواهٍ أخلاقية ونوع من الحكمة الشعبية، وصولًا إلى صيغة مرتقية من الروحانية المنفتحة على التحرر، بعد غياب البنية الاستبدادية، في حقبة ظهور الإسلام وانتشاره.
والمراحل التي يتم اجتيازها، وهي التي ذكرناها، بالنسبة إلى العصر الذي تأسست فيه، غنيّة بالفكر البشري، ويشكل كل منها أساسًا صلبًا للمراحل اللاحقة.
عناصر تصّوفيّة انتقائية: