فهرس الكتاب
تكشف لنا هذه الملاحظات الأولية أصول تصوّفيّة انتقائية، العامل الرئيس فيها الذي يتسلم زمام السلطة عن طريق القوة. وهي جهود وفضائل يلذ بها ويتحلّى بها من يستهويه"النور القاهر"ويجعله موضوع الحب الإلهي. هذه الذكريات القديمة مما قبل المزدية احتلت مكانًا لها في الوحي الجديد الذي بشّر به زرادشت، وهو الوحي الذي يتّجه نحو ديمقراطية نسبية فالبنية البطريركية (الأبوية) الابتدائية التي قام عليها المجتمع الإيراني قد تعدّلت بفعل آليتين داخليتين إحداهما ذات صلة بالسلطة المطلقة والاستبدادية، والأخرى ذات صلة بتحرر الشعب والتقدم الروحي للفرد: العنصر الأول هو عنصر الميثولوجيا الكوسموغونية (=المتعلقة بنشأة الكون) ، أي"الخوارانا"، وقد ساهم بالفعل في روحانية متطورة، فقد شكّل، بفضل التطورات السابقة على هذه الأخيرة، أحد أسس تصوّفيّة حقيقية في العمق. وباتصاله بالأخوّة التي حضّ عليها الإسلام، قُدّر لهذا"النور الإلهي"أو"الفضل السماوي"، الذي صار يُعرف باسم"نور الولاية"، أن يَخْلد في أوصاف وصور الأولياء والأبطال، تارة في مظهر الهالة، وطورًا في صورة الشعل الطويلة تحيط برأس الشخص أو حتى بجسده كله. هذه الأشعة؛ وهذه الشعل، ترمز إلى اختراق"الجوهر الإلهي"الذي يقيم في الإنسان.
في العهد الإسلامي يحتل مفهوم"الخوارانا"هذا، الذي صار يعرف باسم"الأنوار القاهرة"في الفلسفة التصوّفيّة السهروردية، مكانة راجحة خصص لها هـ. قربان قسمًا كبيرًا في أعماله.
الإسهامات الروحية المزدية:
يتناول اليشْت الثالث عشر من الأفيستا (فَرْوَرْدين يشت) مفهومًا خاصًا بالمزْديّة هو"المعروف في الأفيستا باسم فراواشي) الذي يشكل أحد خمسة أجزاء تؤلف الكائن البشري. هذه العناصر الخمسة هي:"