فهرس الكتاب

الصفحة 15393 من 23694

طبعًا، لا مجال للبحث هنا عن التصوف الذي أصابه الانحطاط والوهن، التصوف ذي الملامح الفلوكلورية الذي ميّز الانحطاط المتأخر الذي لحق هذه التشكيلة (أو الطائفة) التي كانت تقوم بدور بناء في وقت من الأوقات. كذلك ليس من غرض هذه الدراسة تلك الحالات النفسية التي يخلقها تناول المهيجات إشارةً إلى هذه الطريقة الاصطناعية الواردة في كتيّب مزدي اسمه"كتاب أرْدا ويراف Livre d, Arda veraf، وهو وليٌّ (قديس) مزْدي يجوب أقطار السماء بعد تعاطيه كمية من عقار مخدّر اسمه"مَنْخ"mang (بالفارسية bang والعربية"بنج") مستخلص من نبات"الجو كسيام". وعندما صحا من نومه الطويل منتشيًا راح يروي مشاهداته التي تشهد لصحة العقيدة المزدية. لا نريد أن نعقب كثيرًا على هذه الحكاية الواردة في الكتاب المشار إليه، التي نالت شهرة واسعة في الأدب المتأخر عند طائفة"البرسيين"، على الرغم من وفرة المادة القديمة عندهم. لقد كتبت أبحاث كثيرة من هذا النوع من هذين القرنين الأخيرين، بدون برهان على سلامة الصيغة التقليدية المزعومة."

إن شكوكنا في موضوع استعمال مصطلح"التصوف"للحقبة القديمة تتلاشى خصوصًا، عندما يتعلق الأمر باستمرار هذه"الروحانية"المزدية عند ظهور الإسلام. النصوص المزدية المشتتة، بعد أن أعيد تجميعها ودرسها، تحولت إلى مفهوم أكثر توحيدية لإله النور، مبدأ الحياة والخير. الأدب الفارسي والتصوف في العهد الإسلامي، وهما باقيان على إخلاصهما لأسسهما الإسلامية، إنما ينهلان من هذا الينبوع الفياض، الينبوع الكامن المتمثل في الاستبطان، أعني البحث عن الذات، لقد أعاد الإسلام تنشيط هذه النهضة الداخلية وأعطاها وجهة جديدة بنّاءة متفتحة. لقد تشكل على أرض الإسلام نفسها تصوف بالغ الثراء، لم يتأخر في استعارة وتدوير بعض مصطلحات وتعابير من إيران القديمة لكي يتكون منها أحد الكنوز الروحية للبشرية .

عن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت