وما يذكره ابن عساكر من أن شيخه الخطيب خرَّج له فوائد في خمسة أجزاء، يدل بوضوح على سعة علم الرجل، وعلى ثقة الآخرين به. والإشارة إلى نظمه الشعر تتكرر في المصادر وقد أثبت لنفسه في كتاب مصارع العشاق قصائد ومقطوعات كثيرة، قال بعضها في المديح، وبعضها في الغزل، وبعضها في مواضيع أخرى لا تخلو من صور جميلة، وومضات شاعرية، ولكنها، وبشكل عام، لا تدل على موهبة شعرية متأصلة، بل إن معظمها أقرب إلى النظم، ولا عجب بعد ذلك ألاَّ يعرف ابن السراج -على الرغم من شهرته- في جملة الشعراء.
لم يكن نشاط ابن السراج العلمي وقفًا على الأدب، بل كان له نشاط في مجال آخر هو مجال الفقه والحديث، إذ يُروى أنه كان محدثًا، حدّث عن أبي علي بن شادان وأبي القاسم بن شاهين، وأبي محمد الخلال، وأبي الفتح بن شيطا، وأبي الحسين التوزي، وأبي القاسم التنوخي، وغيرهم. وحدّث عنه خلق كثير، وروى عنه الحافظ أبو الطاهر السلفي، وكان يفتخر بروايته مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان وأخذ عنهم (5) ويذكر السيوطي له كتابين في مجال الفقه، وهما كتاب نظم التنبيه في الفقه، وكتاب نظم المناسك (6) .
ولد ابن السرّاج ببغداد سنة سبع عشرة وأربعمئة للهجرة، على الأرجح، وبعضهم يزيد على هذا التاريخ عامًا أو ينقص منه عامًا. أما وفاته فكانت في صفر سنة خمسمئة للهجرة، ودفن بمقبرة (بات أبرز) ، قيل توفي ليلة الأحد حادي عشر صفر، وقيل في الحادي والعشرين منه (7) . وفي تحديد يوم وفاته من شهر صفر دليل على منزلته بين معاصريه. وهكذا يمكن القول إن عمره، عند وفاته كان أكثر من اثنين وثمانين عامًا، إذا أخذنا، بعين النظر الاختلافات في تاريخ ولادته ووفاته.