فهرس الكتاب
وهكذا يحقق القبر الضيق ما عجزت عن تحقيقه الحياة الرحبة، وما اجتماع هذين المحبين في قبر واحد، سوى تعبير عن اجتماعهما على المستوى الروحي، وتخليد لحبهما الصادق. وهذا التعبير يتبدى بشكل أوضح في قصص أخرى، كقصة المغنية التي كانت على سفينة، وأخذ بها الوجد كل مأخذ، فضاقت الحياة على عواطفها، فألقت بنفسها في نهر دجلة، فما كان من الغلام الذي يهواها إلا أن ألقى بنفسه وراءها. يقول الراوي:"فرأيتهما، وقد خرجا من الماء متعانقين ثم غرقا" (29) وكهذه القصة التي تروى عن معاذ بن يحيى قال:"خرجت إلى صنعاء، فلما كنا ببعض الطريق قيل لنا: إن قبر عفراء وعروة على مقدار ميل من الطريق، قال: فمضت جماعة كنت فيهم، فإذا قبران متلاصقان قد خرج من كل قبر ساق شجرة، حتى إذا صارتا على مقدار قامة التفت كل واحدة منهما بصاحبتها. قال إسحق: فقلت لمعاذ: أي ضرب هو من الشجر؟ قال لا أدري، ولقد سألت أهل القرية عنه فقالوا: لا نعرف هذا الشجر في بلادنا" (30) . ومن الطبيعي أن يظل هذا الشجر غريبًا لا يعرف أي ضرب هو من الشجر، ولكنه بوجوده على هذه الصورة يعبر بشكل محسوس عن تعانق أرواح المتحابين في العالم الآخر، عالم الخلود، شأنه في ذلك شأن الغريقين اللذين رآهما الراوي، وقد خرجا متعانقين ثم غرقا، في القصة السابقة. ولم تكن قولة الراوي زيادة على أحداث القصة، بل إنها جوهر القصة وأهم ما فيها.