فهرس الكتاب
والحب، كما يبدو في قصص مصارع العشاق، ليس مجرد عاطفة إنسانية، بل هو ظاهرة كونية تمتد لتشمل كل الكائنات الحية في الوجود، الكائنات المرئية وغير المرئية، فابن السرّاج يحدثنا عن نخلة تعشق نخلة (31) ، وعن جني يعشق جارية (32) وعن بطة ذبحوا ذكرها فما زالت تضطرب في دمائه، من شدة الحزن، حتى ماتت (33) ، وهي بذلك تذكرنا بالمحبين الذين قضوا إثر سماعهم بموت من يحبون. ولكنّ هناك قصصًا تحدثنا عن حب من نوع آخر، هو حب الغلمان، وصاحب المصارع يروي مجموعة من قصص محبي الغلمان وأخبارهم وأشعارهم، وهم في الغالب من الصوفية أو النُسَّاك، وهو لا يختارهم لاقتصار هذه الظاهرة عليهم، أو لاشتهارهم بها أكثر من غيرهم، وإنما لأنهم يمثلون أصحاب الحب العفيف في هذا الضرب من الحب، ولأن حبهم يقوى ويشتد حتى يسيطر عليهم ويبلغ بهم درجة الموت أحيانًا. وعفة هؤلاء ليست عفة بالمفهوم الدقيق، إنها أقرب إلى الامتناع بتأثير الخوف، أو الرغبة الجامحة المقهورة، منها إلى النزوع نحو الحب الروحي، أو الارتقاء بعاطفة الحب السامية، والترفع بها عن الشهوات. ففي حين كنا نرى العاشق يلتقي بمحبوبته- في قصص النوع الأول- في الليل والنهار، من دون أن يخشى شيئًا من نفسه، بل قد يمضيان الليل بطوله يتسامران إلى الصباح، ثم يقومان للصلاة، كما يروي بعضهم (34) وكأنها تأتي تتويجًا للحظة العشق الطاهر، أو تعميقًا لُمتَعِهِ الروحية، أقول في حين كنا نرى ذلك، فإننا في قصص هذا النوع نرى الصوفي وقد أعيته مقاومة الرغبة الشاذة المتأججة في نفسه، فهو لا يأمن على نفسه الخلوة بغلام، خشية أن تغلبه الرغبة ويرتكب فاحشة يتبوأ بها مقعدًا من النار. وإن فرضت عليه الخلوة حينًا فإن الخوف يؤرقه، فيلجأ إلى الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فيظل الليل أرقا يصلي، ويقاوم رغبته بذكر الله تعالى."أخبرنا أبو إسحق إبراهيم بن سعيد..."