فهرس الكتاب

الصفحة 15437 من 23694

حدثني أبو المختار الضبي قال: حدثني أبي قال: قلت لأبي الكميت الأندلسي، وكان جوالًا في أرض الله، عز وجل، حدثني بأعجب ما رأيت من الصوفية، قال: صحبت رجلًا منهم يقال له مهرجان. وكان مجوسيًا فأسلم وتصوف، فرأيت معه غلامًا جميلًا لا يفارقه، فكان إذا جاء الليل قام فصلى، ثم ينام إلى جانبه، ثم يقوم فزعًا، فيصلي ما قدر له، ثم يعود فينام إلى جانبه أيضًا، حتى يفعل ذلك في الليلة مرارًا، فإذا أسفر الصبح أو كاد يسفر، أوتر ثم رفع يديه فقال: اللهم إنك لتعلم أن الليل قد مضى عليّ سليمًا، لم أقارب فيه فاحشة، ولا كتبت الحفظة عليٌ فيه معصية، وأن الذي أضمره في قلبي لو حملته الجبال لتصدعت، أو كان بالأرض لتدكدكت، ثم يقول: يا ليل أشهد بما كان مني فيك، فقد منعني خوف الله عز وجل عن طلب الحرام..." (35) واعتراف الصوفيين بمعاناتهم في كبح رغباتهم يتكرر في قصصهم، وكأنه دليل على إثبات طهارتهم وإيمانهم، وليس دليلًا على شذوذهم وانحرافهم. والطريف أن هذا النوع من العشق يفعل بأصحابه ما يفعله النوع الأول، أعني العشق العفيف الطبيعي، فنرى العاشق يموت وجدًا وكمدًا بغلامه (36) ، أو يموت الغلام فيبكي الصوفي على قبره إلى أن يموت هو الآخر (37) أو قد يمرض الصوفي فلا يستطيع حراكًا إذا هجره المحبوب" (38) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت