فهرس الكتاب
وتأتي هذه القصص تعبيرًا عن ظاهرة عشق الغلمان التي شاعت في العصر العباسي، وهي ظاهرة مهدت لها، وغذتها، طبيعة الحياة التي كانت تموج بمفاسد الحضارة، فقد كثرت الجواري بشكل لافت، وأتاح الثراء فرصة عظيمة للتمتع بالملذات، وصارت المرأة متاعًا موفورًا لذوي المال، ففقدت بذلك سحرها وبريقها، ولم تعد تروي النفوس المتعطشة إلى الملذات، مما دفع النزوات إلى البحث عن المتعة خلف الحدود التي رسمتها الطبيعة، وكان الاحتكاك الواسع بالعناصر الفارسية دليلها في البحث عن الجديد،"والغزل بالمذكر عادة سيئة انتقلت إلى العرب من الفرس في القرن الثاني الهجري" (39) وكان على أدعياء التصوف من ذوي النزوات أن يجدوا مخرجًا شرعيًا لسلوكهم، فتحدثوا عن جواز النظر إلى الأمرد ومصاحبته، واحتالوا في الوصول إلى تحقيق مبتغاهم، وقد ذكر ابن السرّاج بعض حيلهم، مثلما ذكر بعض أخبارهم، فروى حديثًا رواه إدريس بن إدريس قال:"حضرت بمصر قومًا من الصوفية، وعندهم غلام أمرد يغنيهم، فغلب على رجل منهم أمره، فلم يدر ما يصنع، فقال: يا هذا قل لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، فقال: أقبل الفم الذي قال لا إله إلا الله" (40) .
وفي المصارع قصص وأخبار قليلة عن نوع آخر من العشاق، وهم عشاق الله، أو محبوه كما يحلو للفقهاء أن يسموهم، وهم قوم ملأ الله قلوبهم بمحبته، فانصرفوا عما سواه، فما زالوا يكابدون الشوق إليه، حتى استحقوا اللقاء به بانتقالهم إلى جواره (41) .
والموت على هذه الشاكلة هو تحقيق الحياة للحب. وابن السرّاج يروي عن أحدهم خبرًا يعبر عن ذلك بوضوح، يقول: (دعتني امرأة إلى غسل ولدها، ذكرت أنه أوصى بذلك، فلما كشفت عنه الثوب قبض على يدي، فقلت: يا سبحان الله! حياة بعد موت؟ فقال: يا أبا سعيد إن المحبين لله تعالى أحياء وإنْ قبروا) (42) .