فهرس الكتاب
إن العفة من أهم القيم التي يريد ابن السرّاج أن يؤكد عليها، ويغرسها في نفوس المتلقين، وفي سبيل ذلك يحشد قصصًا متعددة يبدو فيها سلوك العاشق ضربًا من المبالغة وقصصًا تبين عاقبة الذين يتمسكون بالعفة سلوكًا في الحياة، وقد تخرج هذه القصص عن إطار المعقول لتدخل في إطار الأساطير، كما في قصة الفتى الذي أغرته امرأة فتبعها إلى أن وقف ببابها، فمثلت له الآية:"إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون"فخر مغشيًا عليه، فنقلته المرأة التي أغرته إلى باب منزله وعندما أفاق قص ما جرى على أبيه، وشهق شهقة فمات، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب (ر) ، فذهب حتى وقف على قبره، فنادى: يا فلان، ولمن خاف مقام ربه جنتان، فأجابه الفتى من داخل القبر: قد أعطانيهما ربي يا عمر" (43) وهذه القصص في حقيقتها ضرب من الوعظ الديني، أو الأخلاقي، يرمي إلى حث المتلقي على التمسك بالفضائل ومقاومة الشهوات، ولا بد، لذلك، من إظهار عاقبة المتقين في النهاية، لتكون حجة تسهم في تحقيق الغاية المرجوة، ولتكون وسيلة من وسائل الإقناع، مهما بدت هذه النهاية غريبة أو مستحيلة الحدوث، وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد بأن هذه المواعظ كانت توجه إلى الطبقات الشعبية البسيطة، أو الساذجة، التي تتحكم بها العواطف أكثر مما يتحكم بها العقل، والتي بوسع الواعظ -أو القاص- أن يتحكم بها، ويحملها على الاعتقاد بما يقوله، بأبسط الأساليب والحجج."