فهرس الكتاب
وإذا كانت إجابة الفتى من داخل القبر -في القصّة السابقة- أمر لا يمكن حدوثه، فإن التأويل- وإن بدا غريبًا- لا يعجز عن إيجاد مخرج له، ولكننا نجد ما هو أغرب من ذلك في قصة المرأة التي كانت مومسا، تمكن من نفسها من أعطاها مئة دينار، وكانت من بني إسرائيل، فرآها عابد فأعجبته، فجمع مئة دينار وجاءها، حتى إذا جلس منها مكان الرجل من امرأته، ذكر الله فتركها وعاد إلى بلده، فتبعته، فلما رآها مات، فتزوجت أخًا له عابدًا فولدت سبعة أنبياء (44) ولا أدري إن كان أحد من الرواة أو المتلقين قد تساءل عن هؤلاء الأنبياء ولا سيما أن الرجل كان مسلمًا، كما تشير القصة، وكان يقيم في المسجد. ومن الواضح أن القصة مستقاة من مصادر يهودية، ولكن المسلمين حوروا فيها قليلًا، وتناقلوها لأنها تظهر فائدة التوبة، وفي مصارع العشاق قصص أخرى تشير بذاتها إلى مصدرها اليهودي وتبدو أحداثها غريبة إلى حدّ بعيد (45) .
وإذا كان الحب ظاهرة كونية لا تقتصر على الإنسان، بل تشمل النبات والحيوان والطير، فإن الإيمان هو الآخر يبدو كالظاهرة الكونية، فيشمل الإنسان والنبات والحيوان والطير، وابن السرّاج يروي قصة عن ريحانة تدعو رجلًا إلى قيام الليل، وقراءة القرآن، وصدق الإيمان (46) ، وقصة عن دب أتى بماء الوضوء لسهل بن عبد الله وخاطبه قائلًا:"يا سهل إنا قوم من الوحش قد انقطعنا إلى الله عز وجل، بعزم التوكل والمحبة. فبينا نحن نتكلم مع أصحابنا في مسألة إذ نودينا: ألا إن سهل بن عبد الله يريد ماءً للوضوء فوضعت هذه الجرّة في يدي وبجنبتي ملكان، حتى دنوت منك، فصبَّا فيها هذا الماء من الهواء، وأنا أسمع خرير الماء..) (47) وهذا النوع من القصص لا يحتل مساحة كبيرة من الكتاب، وهو يصب في إطار الوعظ الديني الداعي إلى الإيمان."