فهرس الكتاب
ويمكننا أن نذكر في مجال نسقه الفلسفي أن حياة الإنسان مقصورة على الوجود الأرضي، والنفوس القروية تغدو بمغادرتها الأبدان واحدة بالعدو، أي تتحدد في صورة العقل الكلي بمثل وحدة العقل البشري وأزلية العلم الإنسان، لكن الأهم من ذلك وظيفة هذه الفكرة في وضع أساس فلسفي لقيام مجتمع مدني حديث، يترتب على البشر من أجل بلوغ السعادة بذل الجهود العقلية ومتابعة البحث العلمي ليتم الاتحاد والاتصال بين العقل الهيولاني والعقل الفعال بدون أية وساطة دينية.
وإذ تسعى البشرية إلى تحقيق سعادتها بقواها الخاصة، تقوض أساس النفوذ الأيديولوجي لأهل الجدل والمتكلمين والكنيسة أيضًا التي قصر آباؤها حقيقة الخلاص على وساطتها الكهنوتية.
وهكذا استطاعت الرشدية، لا ابن رشد فحسب، بل الرشدية أي التطور الذي نجم عن ذلك بقليل من التطوير أن تخضع أسس التنوير العقلي والمجتمع المدني والعلمانية، فأعطت أوربا في بداية صعودها في نهاية القرون الوسطى السلاح الفكري المناسب لتطورها اللاحق.
ثم إن ابن رشد قد أسس ما يسميه بعض الباحثين عبادة العلم وأعلن سيادة العقل التامة، وليست فكرة الحقيقة المزدوجة في الرشدية اللاتينية رغم ما فيها من اضطراب سوى تعبير عن مشروعية واستقلال الفلسفة طالبة الحقيقة عن الشريعة والإيمان الديني.
من كل ما تقدم جعل ابن رشد من فلسفته التعبير النظري عن أيديولوجيا التنوير الإسلامي ولقد كانت نكبته عام 1194 بالرغم من العفو عنه بعد أربع سنوات من محاكمته ونفيه إيذانًا ببدء انطفاء مشعل التنوير، فلقد بدا الاتجاه العام في نهاية القرن الثاني عشر يحمل معه تزايد النفوذ والفوضى الإقطاعية، وتهديدًا أشد من قبل الفرنجة للحكم الإسلامي وحجز السلطة المركزية إلى مسايرة الفقهاء والإقطاعيين والعسكريين لضمان مساندتهما ولا سيما في أيام الأزمات والحروب.