فهرس الكتاب
ونلاحظ لدى الخلفاء الموحدين بعد ابن تومرت على الرغم من تشددهم المذهبي لعقيدة ابن تومرت، نلاحظ ميلهم العميق إلى الأخذ بالعقل والعمل من أجل التحرير من جمود الفقهاء. ومن هنا فتحوا الباب على مصراعيه للفلاسفة، ولرجال الدين الأصوليين المتنورين.
فعبد المؤمن بن علي الكومي (1046-1162) يحاول إصلاح التعليم وتأسيسه على العقل والنقد ويسند هذه المهمة عام 1153 إلى ابن رشد الفيلسوف الشاب ولما يبلغ من العمر الثلاثين، وهذا له دلالته إذ لم يسند هذه المهمة إلى فقيه عجوز متزمت. والموحدون كانوا يرون أن تجديد التعليم وتأسيسه على العقل والنقد والخروج عن الأطر التقليدية حفظ المتون إنما يعني خلق أجيال من رجال الدين والفكر المتنورين الذين سيحررون العقل كليًّا من جمود الفقهاء وتعصبهم.
كما نجد أبا يعقوب يوسف (1162-1184) يسند إلى ابن رشد مهمة ثانية هي شرح كتب أرسطو حتى يفيد منها الدارسون.
وإذا عرفنا أن القرارات الخطيرة في الدولة الموحدية كانت تتخذ بعد مناقشتها في مجلس الأشياخ، أدركنا أن تحديث التعليم وضرورة شرح فلسفة أرسطو وتعميمها إنما كانا ينسجمان مع عقيدة الدولة المرابطية وسياستها العقلانية. فضمن هذا الإطار الفكري المتحرر الذي تحميه السلطة، كتب ابن رشد شروحه على أرسطو وتآليفه الخاصة بمنهج عقلي، ووجد نفسه كفيلسوف عقلاني وكقاض وفقيه مسلم ومربي، أنه مفروض عليه أن يفهم الإسلام على نحو عقلي.
وأن يضع للعقل وللفلسفة قدمًا في مجتمع لا يعترف ولا يريد أن يعترف معهما بأي نصيب من الوجود ومن هنا كانت محاولة ابن رشد في تأويل النص الديني المقدس بمنهج عقلي أولًا: من أجل البرهان على أنه تعارض بين الشريعة والحكمة، وثانيًا: من أجل إيجاد ثابت يتوحد المسلمون على أساسه، وهذا الثابت هو وحدة الحقيقة في الوحي والعقل.
أي إن ابن رشد اتبع منهجًا عقليًا في التأويل. وإن هذا التأويل كانت له ضرورته ومشروعيته التاريخية والاجتماعية.