فهرس الكتاب

الصفحة 15604 من 23694

يرد ابن رشد على حجج الفقهاء هذه بأن الشريعة استحسنت كل علم على الإطلاق كما في قوله تعالى: [أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وماخلق الله من شيء] (15) وقوله أيضًا: [فاعتبروا يا أولي الأبصار] (16) ، [الآية الأولى تدل على النظر في جميع الموجودات، والآية الثانية تنص على وجوب استعمال القياس العقلي أو العقلي والشرعي معًا] (17) إن رد ابن رشد استنادًا إلى النص القرآني يبدو في غاية المعاصرة العلمية، فالحقيقة كنتاج للنظر العقلي تبقى مقدسة سواء أجتنينا منها الفائدة العلمية مباشرة أم لم نجنها وقدسية الحقيقة تنبع من كونها يقينية، ومن كونها إن الله أمر بالبحث عنها والإسلام وشريعته حثا على العلم بصيغة العموم ودون التفريق بين علم وآخر، وإن حقيقة النظر العقلي (الفلسفة) وهي بغاية الاهتداء إلى الخالق. يقول ابن رشد: [إن فعل الفلسفة ليس شيئًا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من حيث دلالتها على الصانع، أعني من جهة ماهي مصنوعات... وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أيضًا أتم] (18) .

ومن يحتج على ضرورة النظر العقلي في الشريعة وللمشرع على أنها بدعة، لم يعرفها المصدر الأول من الإسلام فحجته باطلة يقول ابن رشد: [وليس لقائل أن يقول: إن هذا النوع من النظر في القياس العقلي بدعة، إذ لم يكن في الصدر الأول، فإن النظر في القياس وأنواعه هو شيء استنبط بعد الصدر الأول وليس يرى أنه بدعة، فكذلك يجب أن نعتقد النظر في القياس العقلي] (19) .

إن حجة ابن رشد بالغة الإفحام للذين ينكرون دور العقل، فقد أخذوا بالقياس الفقهي بعد الصدر الأول عندما تعقدت مشاكل الحياة، فكيف حق لهم استعمال العقل هناك، ولماذا يرفضونه هنا الآن وقد تعقدت مشاكل الحياة أكثر وتتعقد باستمرار في كل مرحلة زمنية لاحقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت