إن ابن رشد كفيلسوف ومسؤول وكقاض وفقيه، ومرب ومواطن ومسلم، كل هذا كان يفرض عليه النظر العقلي في الشرع، في سلوكه اليومي، ولهذا يقول: [يجب على المؤمن بالشرع أن يستنبط من الأمر بالنظر في الموجودات وجوب معرفة القياس العقلي وأنواعه.] (20) . وممارسة ابن رشد للنظر العقلي في سلوكه اليومي جعله يكتشف مشاكل مواطنيه عبر صلته بهم كقاض أو كأستاذ وجعله ذلك يلتمس لهم بالعقل الأعذار في أخطائهم، فيروى عنه أنه طيلة قضائه لم يتعمد الحكم بالموت على أحد ولا قطع يد أحد ولعله هنا كان يسلك مسلك الخليفة العادل الفاروق عمر رضي الله عنه في البحث عن أسباب الجريمةِ، وتعطيل النص القرآني القاضي بقطع يد السارق، وكان يأخذ بالقاعدة الفقهية الشهيرة [ادرؤوا الحدود بالشبهات] حتى لا يؤخذ المتهم بالظن.
إن ابن رشد في إلحاحه على ضرورة النظر العقلي في الشريعة لم يكن ينطلق فقط في مشاكل العصر فحسب بل من فهمه لجوهر الإسلام على أنه قائم على التسامح: [وماجعل عليكم في الدين من حرج] ، وإنه دين يسر وليس دين عسر. وهذا التسامح لصالح الكثرة الغالبة من المسلمين لايخل بشرع الإسلام و قانونيته في العقاب والثواب الدنيوي والأخروي، وهذا التسامح ليس مرحلة آنية لعصر معين، بل هو مبدأ ثابت يتجدد مع تجدد مشاكل الحياة التي تفهم بالنظر العقلي وتقدم لها الحلول، فوقائع الحياة المتغيرة هي التي تلزم الفقيه بالأخذ بالنظر العقلي وتجديد أحكامه، ولا يرى ابن رشد مانعًا من أن نأخذ منهج العقل للنظر في شريعتنا من أناس يختلفون عنا في الملة. مادام هذا المنهج يؤدي بنا إلى الوصول إلى الحقيقة يقول ابن رشد: [.... إن الآلة التي تصح بها التزكية ليس يعتبر في صحة التزكية بها كونها آلة المشارك في الملة أو غير مشارك، إذا كانت فيها شروط الصحة] (21) .