إن إصرار ابن رشد على ضرورة استخدام النظر العقلي (الفلسفة) في الشريعة والمشرع إنما ينبغي في تصوري من أمرينِ اثنين أولهما: رفضه الشديد لكل ألوان التعصب، [لأن التعصب يؤدي بالمتعصب إلى إغلاق كل أبواب الحرية والانفتاح على الآخر، مادام هذا المتعصب يعتقد أنه وحده يمتلك الحقيقة المطلقة] (22) . ورفض ابن رشد للتعصب ينسجم مع الأمر الآخروهو إيمانه بوحدة العقل البشري. لأن الأسس والمقاييس التي يستند إليها هذا العقل في معرفة الواقع والوصول إلى الحقائق هي واحدة. ووحدة العقل البشري تؤدي إلى وحدة الحقيقة.
لقد وجد ابن رشد وهو يتبنى العقلانية أنه مضطر إلى إعمال النظر العقلي في الشريعة. وبدت له فلسفة أرسطو قمة العقلانية، لكن المشكلة الصعبة في التوفيق بينهما، لاسيما ومجتمعه يرفض الفلسفة رفضًا قاطعًا، ويبدو أن صعوبة المشكلة قادته إلى الفصل بينهما، وإنما لا يلتقيان إلا في الغاية وهي الكشف عن الحقيقة المطلقة، فالعلاقة بينهما هي علاقة التساوي في الهدف وليست علاقة الاندماج، لأنه لا يوجد أية مشابهة بين عالميهما. كما لا يوجد أية مشابهة أو مماثلة بين المسائل التي يثيرها كل منهما. فمسألة الذات الإلهية لا يجوز أن تدرس عن طريق المشابهة والمماثلة مع الذات الإنسانية، لأن مثل هذه المشابهة بين الله والإنسان تنزل الله إلى مرتبة الإنسان، وترفع الإنسان إلى مرتبة الله (23) وكذلك الأمر في فعل الله وفعل الإنسان (24) وعلم الله وعلم الإنسان (25) ، إذ لا يجوز عند ابن رشد قياس فعل الله على فعل الإنسان ولا علم الله على علم الإنسان.
فالفلسفة والدين مفصولان ولكل منهما مبادئه وأصوله. ولهذا لا يجوز أن تخلط مبادئي بمبادئ الفلسفة. لكن رجل الدين يفهم الفلسفة ضمن حقلها بعد أن يسلم بمبادئها. والفيلسوف يفهم الدين ضمن حقله بعد أن يسلم بمبادئ الدين.